الأخبار

علاء الدين ابو زينة : اختطاف رئيس..!

علاء الدين ابو زينة : اختطاف رئيس..!
أخبارنا :  

بالأمس، أعلن الرئيس الأميركي أن الولايات المتحدة قامت باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلتهما خارج البلاد.
ولم يعد السؤال بعد هذه الحادثة يتعلق بما إذا كنا أمام جريمة دولية، بقدر ما كان نعيا لما تبقّى أصلا من مفهوم القانون الدولي عندما يصبح اختطاف الرؤساء فعلا مُعلنا ومدعاة للفاخر.يشكل اختطاف رئيس دولة ذات سيادة أقصى درجات الانتهاك لسيادة الدول، وجريمة مكتملة الأركان وفق كل الأعراف والمواثيق الدولية، من ميثاق الأمم المتحدة إلى قواعد الحصانة السيادية. ولا مجال هناك للحيل اللغوية. لم يكن ما جرى «اعتقالا»، ولا «عملية إنفاذ قانون»، ولا «حماية للأمن القومي الأميركي». كان ببساطة قرصنة سياسية عسكرية مورست على مرأى العالم وقُدمت بوصفها إنجازا.
كان مبدأ سيادة الدول حجر الزاوية في القانون الدولي الحديث منذ صلح وستفاليا، والذي تأكد لاحقا في ميثاق الأمم المتحدة. وبالإضافة إلى السيادة على السيطرة على الإقليم، تعني السيادة الاختصاص الحصري للدولة في إدارة شؤونها السياسية والدستورية، ومنه اختيار قادتها والتعامل معهم ضمن أطرها القانونية الوطنية. وبذلك يشكل أي تدخل خارجي مباشر في هذا المجال، خاصة باستخدام القوة، انتهاكا صريحا للمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر التهديد بالقوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
ما يعنيه ذلك أن احتجاز رئيس دولة أثناء ممارسته مهامه، إذا ثبت وقوعه خارج إطار تفويض دولي واضح وصريح، يشكّل انتهاكا مضاعفا: انتهاكا لسيادة الدولة، وانتهاكا لمبدأ الحصانة الشخصية التي يتمتع بها رؤساء الدول والحكومات أثناء توليهم مناصبهم. وهذه الحصانة ليست امتيازا شخصيا وإنما أداة قانونية تهدف إلى ضمان استقرار العلاقات الدولية، ومنع تحويل الخلافات السياسية إلى مواجهات قضائية أو أمنية عابرة للحدود. كان ما فعلته الولايات المتحدة بالأمس هو توجيه رسالة صريحة إلى العالم: لا خطوط حمراء أمام البلطجة الأميركية بعد اليوم. ولا حق للدول في حكم نفسها حين تتعارض سياساتها مع الإرادة الأميركية. إن أي دولة كبرى تستطيع أن تتعامل مع رأس السلطة التنفيذية في دولة أخرى بوصفه هدفا مشروعا بأي صورة.
إن الانتخابات، أو الشرعية الدستورية، أو الدعم الشعبي ليست هي العوامل الحاسمة في بقاء الحكومات، وإن الرضا الخارجي – رضى المهيمنين– هو الشرط الحاسم والوحيد.
لا يمكن فصل ما جرى مع مادورو وزوجته عن مسارٍ طويل من تطبيع العدوان الأميركي: من العقوبات التي تخنق الشعوب باسم الحرية، إلى الانقلابات التي تُدار باسم الاستقرار، إلى الاغتيالات العابرة للحدود، وصولا اليوم إلى اختطاف الرؤساء.
كانت هذه سلسلة واحدة من العدوانية عنوانها: السيادة مشروطة، والشرعية تمنحها واشنطن وتسحبها واشنطن. والسياسة الدولية أصبحت منطق عصابات: من يملك القوة يفرض القاعدة، ومن يعترض يُسحَب من رقبته من الشارع.
عندما تقوم القوة الكبرى في العالم بإسقاط حصانةِ الرئاسة، فإنها تفتتح عالما تُدار فيه النزاعات بأساليب المافيا: خطف مقابل تنازلات، احتجاز مقابل صفقات، تهديد دائم لكل من يخرج عن الطاعة. وفي مثل هذا العالم، لا مكان للحرية أو السلام. ستكون السيادة سلعة، والحدود مؤقتة، والدول الضعيفة ساحات مفتوحة لتجارب القوة.
وإذا كان ثمة شيء، فهو أن ما حدث بالأمس كان انهيارا آخر لأوهام الاستقرار. حين تصبح رئاسة دولة وظيفة قابلة للاختطاف، يتحول كل رؤساء الدول -خصوصا في الجنوب العالمي- إلى رهائن محتملين في لعبة القوة.
طبّعت الولايات المتحدة مروقها في العالم بحيث لم تعد في حاجة إلى تبرير أخلاقي ولا إلى سردية مقنعة.
إنها تفعل أولا، ثم تترك لماكينة الإعلام واللغة القانونية الفضفاضة أن تتولى المهمة. «حماية الديمقراطية»؛ «مكافحة الاستبداد»؛ «الأمن القومي»، وغيرها من الإعلانات التي تدفع العالم إلى قبول ضمني بأن السيادة لم تعد حقا بل امتيازا مشروطا بالتبعية.
وثمة من العراق إلى ليبيا، ومن أفغانستان إلى فلسطين، رسالة واحدة: من لا يخضع يُكسَر، ومن لا يُكسَر يُختَطَف، ومن لا يُختَطَف يُمحى من الخريطة الرمزية للعالم.
وهو ما يدفع الدول الضعيفة إلى أحد مسارين كلاهما إشكالي: إما الامتثال الوقائي، بمعنى تكييف سياساتها الداخلية والخارجية مسبقا لتجنب الاصطدام بالإرادة الأميركية، وبذلك تفريغ فكرة السيادة من مضمونها العملي وعمل الدولة ضد مصالحها؛ أو التصلب والمغامرة بالبحث عن مظلات أمنية وتحالفات بديلة بطريقة تعزز الاستقطاب وعدم الاستقرار الدوليين وتؤكد منطق الصراع. مرة أخرى، يختبر حدث الأمس حدود القانون الدولي الذي سيفشل غالبا. كما ينبئ عن القدرة المتلاشية للدول على اتخاذ قرارات مستقلة في نظام دولي يشهد تزايدا لكلفة الخروج عن الإرادة الأميركية، وتتراجع فيه الحماية التي يفترض أن يوفرها القانون للدول الأضعف. وهو يتحدث عن عالم عصابات مفتوح على الفوضى، حيث الخطف أداة سياسية مشروعة، والقرصنة سياسة خارجية مقبولة. ــ الغد

مواضيع قد تهمك