عماد داود: موسم الهجرة إلى الشرق: الأردن في قلب التحولات العالمية
لقد أطلقت على هذه الجولة اسم "موسم الهجرة إلى الشرق"، وهو اختيار شخصي يعكس رؤية الأردن الثاقبة في إعادة التموضع الاستراتيجي وسط تحولات عالمية متسارعة، والانفتاح على القوى الاقتصادية الآسيوية الصاعدة بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على الغرب، مع الحفاظ على مركزية الأردن كدولة راسخة في دعم القضايا العربية الأساسية ووسيط معتدل موثوق في المنطقة. تحمل هذه التسمية رسالة واضحة: أن الأردن، رغم محدودية موارده، قادر على تحويل التحديات الإقليمية والعالمية إلى فرص للنمو والتأثير، وبناء تحالفات اقتصادية وسياسية متينة تعزز مكانته على الساحة الدولية.
في زمن الفوضى المتنامية في الشرق الأوسط، يثبت الأردن بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني أن الدولة الصغيرة يمكن أن تلعب دورًا محوريًا على الساحة الدولية. الجولة الآسيوية لجلالته، التي شملت اليابان، فيتنام، سنغافورة، إندونيسيا، وباكستان، لم تكن مجرد زيارات رسمية، بل تحرك استراتيجي شامل يعكس رؤية ملكية تسعى إلى تعزيز المصالح الوطنية، وحماية الأمن الإقليمي، وتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي والدبلوماسي.
في اليابان، ترسخت شراكات استراتيجية في مجالات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والبنية التحتية. أما في فيتنام، فكانت محطة محورية لفتح أسواق جديدة، حيث شارك أكثر من خمسين شركة فيتنامية و25 شركة أردنية في منتدى الأعمال الأردني-الفيتنامي، مستكشفين فرص الاستثمار في الأدوية والكيميائيات والزراعة. يُظهر هذا الطموح الأردني حرص المملكة على تثبيت مكانتها كمركز للتجارة والاستثمار الإقليمي، وفتح أسواق تصديرية جديدة في إطار اتفاقيات التجارة الحرة التي يتمتع بها الأردن.
سنغافورة، الرائدة عالميًا في الابتكار والتعليم، شهدت تعزيز التعاون في مجالات نقل المعرفة والتكنولوجيا الحديثة، بما يرفع من القدرات الأردنية في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. وفي إندونيسيا وباكستان، لم تقتصر الزيارات على البعد الاقتصادي، بل شملت أيضًا تعزيز الدور الأردني في القضايا الإقليمية، خصوصًا دعم القضية الفلسطينية، والمشاركة في الجهود الدولية لوقف الحرب في غزة وحماية المدنيين، مع إبراز موقف الأردن التاريخي كداعم للسلام العادل والشامل.
الجولة الملكية تعكس أبعادًا سياسية واستراتيجية بالغة العمق، فهي تعزز تنويع التحالفات الدولية وتوسيع شبكة العلاقات بما يقلل من الاعتماد التقليدي على الغرب ويوازن الموقف الأردني بين الشرق والغرب. كما تعزز الدور الأردني في القضايا الإقليمية، خصوصًا القضية الفلسطينية، مع حشد التأييد الدولي لموقف المملكة المعتدل، وتبرز الأردن كقوة استقرار ووسيط موثوق في منطقة مضطربة، قادرة على حماية مصالحها والمساهمة في الأمن والسلم الإقليمي.
اقتصاديًا، تهدف الجولة إلى فتح أسواق جديدة وجذب استثمارات نوعية، واستقطاب مشاريع في التكنولوجيا والطاقة المتجددة، وتطوير الصناعات التحويلية، وتعزيز التعليم والبحث العلمي، بما يحقق الأمن الغذائي وفرص العمل، ويدعم رؤية الأردن الاقتصادية 2033، ويضع المملكة في قلب التحولات الاقتصادية العالمية. على سبيل المثال، لم تتجاوز الصادرات الأردنية إلى فيتنام العام الماضي 10 ملايين دولار مقابل 240 مليون دولار واردات، ما يفتح المجال لمضاعفة التبادل التجاري في السنوات المقبلة.
استراتيجيًا، تعكس الجولة إدراك الأردن العميق للتحولات الجيوسياسية، والسعي إلى إعادة التموضع في النظام الدولي الجديد الذي يتجه نحو آسيا، مع الاستفادة من موقع الأردن الجغرافي كممر بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، ما يعزز دوره كمركز استقرار واتصال اقتصادي وتجاري، ويتيح تعزيز التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب والتطرف.
ختامًا، تحمل هذه الجولة رسالة واضحة للعالم: الأردن، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، يواصل بناء جسور التعاون مع الجميع، ويستثمر التحولات العالمية لتعزيز مصالحه العليا، وحماية القضايا العربية الأساسية، وتحويل المخاطر إلى فرص تنموية واستراتيجية، بينما يثبت أن الدولة الصغيرة، بالذكاء والدبلوماسية المتقنة، يمكن أن تصنع تأثيرًا عالميًا ملموسًا.