اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. عاصم منصور : خطوة في الاتجاه الصحيح.. لكن

د. عاصم منصور : خطوة في الاتجاه الصحيح.. لكن
أخبارنا :  

القرار الذي تم البدء بتطبيقه مؤخرا بزيادة مساحة التحذير الصحي على عبوات السجائر لتصبح 65 % بدلا من 40 %، مع إضافة رقم لعيادات الإقلاع عن التدخين، خطوة نرحّب بها ونسجّلها للجهات المعنية. فالعبوة هي الإعلان الوحيد الذي يحمله المدخن في جيبه طوال اليوم، ويُخرجه ويراه عشرات المرات. وكلما اتسعت المساحة المخصصة للتحذير، ضاقت المساحة التي تستخدمها الشركات لتجميل منتجها وجذب المستهلكين الجدد، وفي مقدمتهم الشباب.


وإضافة رقم عيادات الإقلاع لا تقل أهمية عن توسيع الصورة نفسها. فالتحذير وحده يخبر المدخّن بأنه في خطر، لكن الرقم يضع أمامه بابا للخروج. فمن يقرر يحتاج إلى مكان قريب يلجأ إليه، لا إلى رسالة تخيفه ثم تتركه وحيدًا.
لكن هذه الخطوة، على أهميتها، تحمل في طياتها نقطة ضعف معروفة علميًا، فالتحذيرات الصحية تفقد أثرها مع الوقت. والصورة التي تصدم المدخن اليوم يعتادها غدا، ثم لا يعود يراها أصلًا. يسمي الباحثون هذه الظاهرة بـ»تآكل الأثر»، إذ تتحول الرسائل المتكررة إلى جزء من خلفية المشهد، تماما كلافتة الطريق التي نمر بها كل صباح دون أن نقرأها أو تلفت انتباهنا، فما بالك بالمدخن المزمن، الذي طور عبر السنين قدرة لافتة على تجاهل كل ما يذكره بضرر ما يمارسه.
لذلك يجب أن ترافق هذه الخطوة سياسة واضحة لتغيير الرسوم والرسائل التحذيرية بشكل دوري، وهذا ما توصي به منظمة الصحة العالمية في إرشاداتها، حيث تنصح أن تكون هناك مجموعات متعددة من التحذيرات تُطرح معا، ثم تستبدل بمجموعات جديدة على فترات منتظمة، حتى تبقى كل عبوة تحمل رسالة جديدة لا صورة مألوفة، إلى أن نصل إلى يوم نتمكن فيه من إلزام شركات التبغ باعتماد عبوات «بلا هوية» أي عبوات موحدة بلا علامات فارقة ولا عناوين واضحة أو زخرفة تخطف الأبصار.
ولا يكفي التغيير الشكلي وحده، فالتحذيرات الأكثر تأثيرًا هي تلك التي تتنوع في مضمونها: فبعضها يتحدث عن السرطان وأمراض القلب والشرايين، وبعضها عن أثر التدخين السلبي على الأطفال داخل البيوت، وبعضها عن الكلفة المالية على الأسرة، ولا ضير أن يحمل بعضها رسالة أمل عن فوائد الإقلاع عن التدخين. كما أن الرسائل المستوحاة من واقعنا المحلي، بلغتنا وصورنا وقصص أناس يشبهوننا، تكون أقرب إلى القلب والعقل من صور مستوردة لا تشبهنا يشعر المدخن أنها لا تعنيه.
ويبقى التحذير على العبوة حلقة واحدة في سلسلة أطول من الإجراءات، فالأردن يعد من أعلى دول المنطقة والعالم في معدلات التدخين، ومواجهة هذا الواقع تتطلب حزمة متكاملة تشمل تطبيقا جادا لمنع التدخين في الأماكن العامة، وسياسة ضريبية تجعل التبغ أقل إغراء وأعلى سعرا، وتنظيما صارما للسجائر الإلكترونية والأرجيلة، ودعما حقيقيا لعيادات الإقلاع حتى تستوعب من يلجأ إليها.
ما تحقق خطوة خجولة في الاتجاه الصحيح، والمطلوب اليوم ألا نتعامل معها كإنجاز مكتمل، بل كبداية لسياسة مستمرة لا حدثا معزولا.

مواضيع قد تهمك