جريمة الكرك.. رصــاص الإرهــــــــاب يستهدف ذاكرة الوطن
عمان - عمر المحارمة
الجريمة الإرهابية التي شهدتها قرية حمود في محافظة الكرك يوم الجمعة الماضي، لم تكن مجرد اعتداء مسلح على مواطنين أبرياء اجتمعوا في كنيسة لتوديع أحد أحبّتهم إلى مثواه الأخير، بل كانت جريمة حاول مرتكبوها أن يطلقوا الرصاص على ما هو أبعد من الأجساد، على ذاكرة وطن، وعلى علاقة إنسانية واجتماعية ضاربة في أعماق التاريخ، وعلى واحدة من أكثر الحقائق رسوخاً في المجتمع الأردني، وهي أن المسلمين والمسيحيين في هذه البلاد ليسوا جماعتين غريبتين جمعت بينهما المصادفة، وإنما أبناء أرض واحدة، جمعتهم القرابة والجيرة والمصاهرة والعيش والمصير، قبل أن تجمعهم الدولة الحديثة ومؤسساتها وقوانينها.
تسعة شهداء، وعشرات المصابين، وعائلات دخلت في حزن ثقيل، وبلدة صغيرة وجدت نفسها في قلب مأساة لم يكن أحد يتصور أن تقع في مكان اعتاد أهله أن يتقاسموا فيه الخبز والفرح والعزاء. لقد ذهب الناس يوم الجمعة ليودعوا ميتاً، فإذا بالموت يتربص بالأحياء، وإذا بمكان يفترض أن يكون ملاذاً للسكينة والصلاة يتحول إلى مسرح لجريمة لا يمكن أن يجد مرتكبوها في الدين أو الأخلاق أو الإنسانية ما يبررها.
ورغم أن الأجهزة الأمنية أعلنت فجر أمس الاثنين إلقاء القبض على المنفذين الثلاثة، فإن الجريمة تترك وراءها أسئلة أكبر من هوية القتلة ومصيرهم القضائي، إنها تفرض علينا أن نتحدث بوضوح عن جذور الوجود المسيحي في الأردن، وعن تاريخ العلاقة الإسلامية المسيحية، وعن الفكر التكفيري الذي يستبيح الدماء، وعن أصوات أخرى وجدت في دماء الأبرياء فرصة لإشعال خصومة مع الإسلام نفسه، وكأن المطلوب أن تتحول مأساة إنسانية إلى معركة بين أبناء الوطن الواحد.
وفي خضم هذا الوجع الوطني، تستحق الأجهزة الأمنية وقفة تقدير واعتزاز بما أظهرته من يقظة ومهنية وإصرار على ملاحقة مرتكبي الجريمة حتى إلقاء القبض عليهم.
ولعل ما يمنح هذا الإنجاز أهمية تتجاوز نجاح العملية الأمنية نفسها، أن القبض على المنفذين أحياء يفتح الباب أمام التحقيقات لكشف الخلفيات الحقيقية لهذه الجريمة، ودوافع مرتكبيها، وطبيعة الأفكار التي حملوها، والبحث عن أي ارتباطات تنظيمية أو جهات محرضة أو داعمة أو ممولة قد تكون لها صلة بما حدث، فليس المهم أن تصل يد العدالة إلى من ضغطوا على الزناد فحسب، وإنما أن تصل الحقيقة إلى جذور الجريمة، وأن يُكشف، إن وُجد، كل من خطط أو حرّض أو ساعد أو وفر الغطاء لتنفيذها.
ومن الإنصاف هنا الإشادة بالرجال الذين واصلوا عملهم في الميدان، وتحملوا المخاطر دفاعاً عن سلامة المواطنين وأمن البلاد، وأثبتوا أن حماية المجتمع ليست مجرد واجب وظيفي، بل مسؤولية وطنية تؤدى في أصعب الظروف.
وإذا كانت الجريمة قد تركت جرحاً عميقاً في وجدان الأردنيين، فإن نجاح الأجهزة الأمنية في القبض على مرتكبيها يبعث برسالة اطمئنان وثقة بأن الدولة قادرة على ملاحقة من يعتدون على أبنائها، وأن العدالة لن تتوقف عند حدود القبض على الجناة، بل ينبغي أن تمضي إلى كشف الحقيقة كاملة، حتى لا تبقى خلف هذه الجريمة خيوط مجهولة أو أخطار كامنة يمكن أن تهدد أمن الأردنيين ووحدتهم في المستقبل.
وإذا كان ثمة أمر ينبغي تثبيته في أعقاب هذه الجريمة، فهو أن المسيحيين الأردنيين ليسوا ضيوفاً على هذه الأرض، ولا جماعة وافدة تحتاج إلى شهادة حسن سلوك أو صك قبول من أحد. إنهم من أهلها وأصحابها الأصليين، ومن جذورها التاريخية والاجتماعية، ومن صانعي حاضرها، وليس وجودهم أمراً طارئاً يمكن تفسيره بمنحة من أحد أو تسامح من طرف آخر.
المسيحية في الأردن أقدم من الإسلام بقرون، وعلى هذه الأرض قامت جماعات مسيحية عربية قبل الفتح الإسلامي، وانتشرت الكنائس والأديرة والتجمعات الدينية في مناطق واسعة من البلاد، وما تزال آثار مادبا وجرش وأم الرصاص وبيلا وغيرها شاهدة على حضارة مسيحية قديمة، بينما يمثل موقع المغطس على نهر الأردن أحد أهم المواقع المرتبطة بتاريخ المسيحية الأولى.
وحين وصل الإسلام إلى بلاد الشام في القرن السابع الميلادي، لم يصل إلى أرض خالية من أهلها، ولم يجد مجتمعاً يبدأ تاريخه من تلك اللحظة، كانت هناك مدن وقرى وعشائر عربية، بعضها مسيحي وبعضها الآخر على معتقدات مختلفة، ومع مرور القرون، دخلت جماعات وعائلات في الإسلام، فيما حافظت جماعات أخرى على مسيحيتها، لكن الأرض بقيت أرضهم جميعاً، واللغة بقيت لغتهم، والجذور الاجتماعية لم تنقطع باختلاف المعتقد.
ومن هنا، فإن الحديث عن المسلمين والمسيحيين في الأردن باعتبارهم كتلتين منفصلتين لا يعكس حقيقة التكوين الاجتماعي للبلاد، ففي كثير من المدن والقرى، وخصوصاً في الكرك ومادبا والسلط وعجلون وإربد، لا يمكن فهم تاريخ السكان من خلال الانتماء الديني وحده، بل من خلال العشيرة والعائلة والأرض والمصاهرة والقرابة والذاكرة المشتركة.
وتكفي العودة إلى تاريخ بعض العشائر الأردنية لإدراك عمق هذا التداخل، فالكثير من العشائر الأردنية يحمل جزء من أبنائها المسيحية وجزء آخر الإسلام، وتورد كتب الأنساب والروايات العشائرية صلات قربى بين هذه الفروع، التي تمتلك امتدادات قرابة وأصول مشتركة.
والأهم من تفاصيل الأنساب أن هذا التداخل لم يبق حكاية في كتب التاريخ أو مجالس كبار السن، بل ظل حقيقة يعيشها الناس، ففي القرية الأردنية كان المسلم والمسيحي يعرفان بعضهما بعضاً بالاسم والعائلة والجد، ويتقاسمان الماء والأرض ومواسم الحصاد، ويشاركان في إصلاح ذات البين، ويفرحان في العرس نفسه، ويجتمعان في بيت العزاء نفسه، ولم يكن اختلاف الدين سبباً لقطع رابطة الجيرة أو نفي القرابة أو التنكر لحق الآخر في أرضه.
ولعل الكرك، التي شهدت هذه الجريمة المؤلمة، من أوضح النماذج على ذلك، فمن يعرف تاريخها وعشائرها يدرك أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين فيها لم تكن علاقة مجاملة عابرة أو تعايش فرضته الضرورة، بل علاقة حياة متكاملة، لقد عاشوا معاً في ظروف القسوة والفقر والحروب والتحولات السياسية، وكانت لهم أعراف اجتماعية مشتركة، وروابط من المودة والتضامن يصعب أن تمحوها رصاصات أطلقها مجرمون في لحظة عمياء.
ولم يكن هذا التاريخ خالياً من الخلافات والمشكلات، شأنه شأن أي مجتمع بشري، لكن تلك الخلافات لم تلغِ حقيقة أعمق، وهي أن المجتمع الأردني نشأ على تداخل اجتماعي لا يستطيع خطاب طائفي عابر أن يعيد تقسيمه إلى غرباء وأصحاب أرض.
وإذا ابتعدنا قليلاً عن حدود الأردن المعاصر، ونظرنا إلى التاريخ العربي الأوسع، وجدنا أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين كانت أكثر تعقيداً وعمقاً من الصورة التي يحاول المتطرفون رسمها. فالمسيحيون العرب لم يكونوا، بحكم دينهم، امتداداً للقوى الأجنبية التي غزت المنطقة، ولم تكن هويتهم الدينية تعني انحيازهم إلى كل جيش يرفع الصليب.
وخلال الحروب الصليبية، لم يكن المسيحي العربي ابن بلاد الشام هو نفسه المحارب الأوروبي القادم من وراء البحار، فقد عانى كثير من المسيحيين الشرقيين من سياسات الغزاة، واختلفوا معهم مذهبياً وسياسياً، وانحازوا إلى محيطهم المحلي وتعاونوا مع القوى الإسلامية في مواجهة السيطرة الصليبية، وتكشف التحالفات التي شهدتها تلك المرحلة أن المصالح والأوطان والانتماءات المحلية كثيراً ما تجاوزت الحدود الدينية، وأن تصوير تلك الحروب باعتبارها صراعاً بسيطاً بين جميع المسلمين وجميع المسيحيين ليس سوى اختزال مشوه للتاريخ، فالشواهد التاريخية تؤكد أن جيش صلاح الدين الأيوبي ضم مسيحيين عربا حاربوا دفاعا عن أوطانهم وسعيا لتحرير مدينتهم المقدسة.
وفي مراحل الغزو المغولي والتتري وما رافقها من حروب مدمرة في المنطقة، لم يكن أهل البلاد بمنأى عن المصير المشترك الذي فرضته الحروب، وإن اختلفت مواقف الجماعات وتحالفاتها باختلاف الأزمنة والأماكن.
فقد عرفت المنطقة تحالفات وصراعات لا يمكن تفسيرها بالديانة وحدها، وكان من بين ضحايا الغزو مسلمون ومسيحيون على السواء، والتاريخ، حين يُقرأ بعيداً عن الانتقاء، يكشف أن الانتماء الديني لم يكن هو الخط الفاصل بين المدافع عن الأرض والمعتدي عليها. ثم جاءت القرون الحديثة لتؤكد أن الهوية العربية كانت مساحة واسعة اجتمع فيها المسلم والمسيحي في مواجهة الاستعمار والتدخل الأجنبي والدفاع عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين.
وفلسطين، على وجه الخصوص، تقدم شواهد لا تقبل الإنكار على هذه الشراكة، فقد كان المسيحيون العرب جزءاً أصيلاً من الحركة الوطنية، ومن العمل السياسي والثقافي والنضالي، ومن فصائل المقاومة التي خاضت الصراع دفاعاً عن الأرض والحقوق الوطنية، ولم تكن فلسطين في وعيهم قضية تخص المسلمين وحدهم، بل قضية وطن وشعب وحق تاريخي، تماماً كما كانت بالنسبة إلى إخوتهم المسلمين.
وفي حرب فلسطين عام 1948، لم تكن دماء شهداء الجيش العربي الأردني تُفرز وفق ديانة أصحابها، وتحتفظ السجلات والروايات التاريخية بأسماء شهداء مسيحيين من أبناء الأردن، من بينهم الجندي جريس عيسى جريس الهلسة، والجندي حنا خليل سلامة، وغيرهما ممن سقطوا على أرض فلسطين وهم يؤدون واجبهم في صفوف الجيش العربي الأردني.
هؤلاء لم يموتوا من أجل قضية مسيحية أو إسلامية، وإنما من أجل فلسطين، ومن أجل واجب أمنووا أنه واجبهم، ومن أجل راية حملها معهم رفاق مسلمون، ولذلك تبدو الإساءة إلى انتمائهم الوطني اليوم إساءة إلى تاريخ من التضحيات المشتركة، وإلى ذاكرة عائلات قدمت أبناءها دفاعاً عن الأرض.
وليس من الإنصاف اختزال إسهام المسيحيين الأردنيين في ميادين القتال وحدها، فقد كانوا وما زالوا شركاء في بناء الدولة ومؤسساتها، وفي التعليم والطب والاقتصاد والقضاء والإدارة العامة والقوات المسلحة والحياة السياسية والثقافية، وحين تأسست الدولة الأردنية الحديثة، لم يبدأ دورهم معها من الصفر، بل امتد من تاريخ اجتماعي أقدم، ثم اتخذ صوراً جديدة في المشاركة العامة وتحمل المسؤولية الوطنية.
وعليه، فإن الدفاع عن المسيحيين الأردنيين بعد جريمة الكرك لا ينبغي أن ينطلق من فكرة أنهم أقلية ضعيفة تحتاج إلى حماية الأغلبية، ولا من تصور أن حقوقهم امتيازات يمنحها لهم الآخرون، إنهم مواطنون أصيلون، متساوون في الكرامة والحقوق والواجبات، لهم في هذه البلاد ما لسائر أبنائها، وعليهم ما عليهم، وهم ليسوا مطالبين بإثبات ولائهم في كل مرة يرتكب فيها متطرف جريمة بحقهم.
الدفاع عن هذه الحقيقة التاريخية والوطنية لا يكتمل من دون مواجهة السؤال الأكثر إيلاماً فكيف يصل إنسان إلى مرحلة يرى فيها أن قتل الأبرياء في دار عبادة يمكن أن يكون عملاً مشروعاً، أو طريقاً إلى رضا الله؟
هنا نصل إلى الفكر التكفيري، ذلك المرض الذي ظهر بأشكال مختلفة عبر التاريخ، وبلغ في بعض مراحله حد استباحة الدماء باسم الدفاع عن الدين، ومنذ ظهور الخوارج في صدر التاريخ الإسلامي، عرف المسلمون خطورة تحويل الاختلاف إلى تكفير، والتكفير إلى حكم بإهدار الدم، ثم تحويل ذلك الحكم إلى قتل وعدوان.
والمقارنة بين خوارج التاريخ والجماعات التكفيرية المعاصرة لا تعني وجود امتداد تنظيمي مباشر بينها، لكنها تكشف تشابهاً في منطق خطير يقوم على احتكار الحقيقة، وتجريد المخالف من حرمة دمه، وادعاء امتلاك حق إصدار الأحكام على إيمان الناس وحياتهم.
وقد شهد العصر الحديث ظهور تنظيمات وجماعات ذهبت بهذا المنطق إلى أبشع صوره، فقتلت المسلمين والمسيحيين وغيرهم، وفجرت المساجد والكنائس والأسواق، واعتدت على الأبرياء، وقدمت جرائمها باعتبارها تطبيقاً للدين، بينما كانت في حقيقتها انتهاكاً صارخاً لمقاصده الأخلاقية وأحكامه المتعلقة بحرمة النفس والعدل.
إن من يقتل إنساناً بريئاً لأنه مسيحي، أو لأنه يختلف معه في المذهب أو الرأي أو الانتماء، لا يجد في نصوص الإسلام ما يمنحه هذا الحق، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا»، وهي آية لا تجعل حرمة الدم مشروطة بانتماء القتيل إلى دين القاتل.
ويقول تعالى: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»، ويقول أيضاً: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ».
بل إن القرآن الكريم يذكر دور العبادة المختلفة في سياق يستحضر حمايتها من الهدم، فيقول: «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا».
هذه النصوص ليست عبارات تُستدعى للتجميل في المناسبات، وإنما مبادئ تناقض بصورة مباشرة مع منطق استهداف الناس بسبب معتقداتهم، أو الاعتداء على دور عبادتهم، أو تحويل الاختلاف الديني إلى سبب مشروع للقتل.
ولذلك فإن الجريمة التي شهدتها الكرك، أياً كانت التفاصيل التي ستكشفها التحقيقات بشأن خلفيات مرتكبيها وارتباطاتهم، لا يمكن أن تُنسب إلى الإسلام بوصفه ديناً، ولا أن تُحمّل مسؤوليتها إلى ملايين المسلمين الذين يرفضون الإرهاب ويرون فيه جريمة بحق الإنسان والدين والمجتمع.
لكن إدانة الإرهاب لا ينبغي أن تتحول إلى إعفاء المجتمع من واجب مواجهة الظروف الفكرية والاجتماعية التي تسمح للتطرف بالنمو، فالفكر الذي ينزع عن الآخر إنسانيته لا يولد بالضرورة في اللحظة التي تُطلق فيها الرصاصة، بل قد يبدأ بكلمة تحريض، أو فتوى منحرفة، أو خطاب ازدراء، أو تعليم يختزل الناس في هوياتهم الدينية، أو منبر يزرع الشك والكراهية في النفوس.
ومواجهة ذلك تحتاج إلى خطاب ديني مسؤول، وتعليم يعزز قيمة الإنسان، ومؤسسات قادرة على رصد التحريض ومحاسبة أصحابه وفق القانون، وإلى شجاعة أخلاقية في رفض الأفكار المنحرفة حتى قبل أن تتحول إلى أفعال إجرامية.
غير أن هناك وجهاً آخر للمشكلة ينبغي عدم تجاهله، وهو استغلال الجرائم الإرهابية للطعن في الإسلام نفسه، أو تحميل المسلمين جميعاً مسؤولية ما يرتكبه أفراد أو جماعات منحرفة.
فمنذ وقوع الجريمة، برزت في بعض النقاشات أصوات لم تكتف بإدانة القتلة والتعاطف مع الضحايا، بل حاولت توسيع دائرة الاتهام لتطال الدين الإسلامي وتعاليمه وأتباعه، وكأن الجريمة تصلح دليلاً على أن المشكلة تكمن في إيمان ملايين البشر، لا في عقول من اختاروا القتل والعدوان. وهذا المنطق لا يقل انحرافاً عن منطق التعميم الذي تقوم عليه الأفكار الطائفية، فمن الظلم أن يُحاسب المسيحي على أفعال متطرفين رفعوا شعارات مسيحية عبر التاريخ، كما أنه من الظلم أن يُحمّل المسلم وزر جرائم أشخاص يتخذون من الإسلام ستاراً لأفعالهم.
ومن حق أي إنسان أن يناقش الأفكار الدينية وينتقد التفسيرات والممارسات، فالنقد الفكري أمر مختلف تماماً عن التحريض على المؤمنين بدين معين أو ازدراء كرامتهم الجماعية، لكن تحويل حادثة دموية إلى فرصة لإهانة الإسلام، أو تصوير كل مسلم باعتباره متهماً محتملاً، ليس دفاعاً عن ضحايا الإرهاب، بل مساهمة في توسيع دائرة الكراهية التي يتغذى عليها الإرهاب نفسه.
ولا يمكن القبول بأن تصبح دماء المسيحيين الأبرياء في الكرك مدخلاً للاعتداء على المسلمين أو على دينهم، كما لا يمكن القبول بأن تصبح حرمة الإسلام ذريعة للصمت عن جريمة استهدفت المسيحيين، فالموقف الأخلاقي المتماسك هو الذي يدين القتل بوضوح، ويحمي كرامة الضحايا، ويرفض في الوقت نفسه تحويل الألم إلى أداة لتمزيق المجتمع.
والذين يتوهمون أن الإساءة إلى الإسلام انتصار للمسيحيين يرتكبون خطأ بالغاً، لأنهم يتجاهلون أن المسلمين والمسيحيين الأردنيين يعيشون في مجتمع واحد، وأن إشعال العداء بينهما لن يعاقب الإرهابيين، بل سيؤذي الجميع، كما أن من يحاول الدفاع عن الإسلام بتبرير الاعتداء على المسيحيين يقدم خدمة مجانية لأعداء الدين وأعداء الوطن معاً.
وربما تختلف أدوات التطرف ودرجات خطورته، لكن النتيجة الاجتماعية لخطابات الكراهية يمكن أن تكون واحدة وهي تمزيق الثقة بين الناس، وإضعاف الروابط التي تحمي المجتمع من الانقسام، وتحويل الاختلاف الطبيعي إلى خصومة دائمة.
من هذه الزاوية، فإن من يستغل دماء الضحايا للتحريض على الإسلام والمسلمين قد لا يقل خطراً، في قدرته على بث الفتنة، عن أصحاب خطاب التكفير والإقصاء، مع ضرورة التمييز الواضح بين خطورة الكلام التحريضي وجريمة القتل الفعلية التي تظل أشد الجرائم فداحة، فكلا الخطابين يمكن أن يغذي الآخر؛ المتطرف الذي يقتل باسم الدين يمنح خصوم الدين مادة للتعميم والتحريض، والمحرّض الذي يهاجم أهل الدين جماعياً يمنح المتطرفين مادة جديدة لتغذية شعور الكراهية.
والأخطر أن تتحول الجريمة إلى مناسبة للمزايدات، فيصبح التعبير عن الحزن امتحاناً للانتماء، ويُطلب من المسلم أن يعتذر عن دينه حتى يثبت تعاطفه مع الضحايا، أو يُطلب من المسيحي أن يتجنب التعبير عن غضبه خوفاً من اتهامه بإثارة الحساسية الدينية.
ليس هذا ما تحتاجه الكرك، ولا ما يحتاجه الأردن. فأهالي الضحايا لهم الحق الكامل في الحزن والغضب والمطالبة بالعدالة، من دون أن يزايد عليهم أحد، والمسلمون ليسوا مطالبين بالدفاع عن جريمة يرفضونها أصلاً، والمسيحيون ليسوا مطالبين بتقديم شهادات جديدة على انتمائهم الوطني.
المطلوب أن يقف الجميع عند الحقيقة الأولى، حيث هناك مواطنون أردنيون قُتلوا ظلماً، وهناك جريمة يجب أن تأخذ العدالة مجراها الكامل بشأنها، وهناك مجتمع له مصلحة وجودية في ألا تتحول دماء أبنائه إلى وقود للكراهية.
ولا بد هنا من القول إن الدفاع عن العيش المشترك ليس مجرد الدعوة إلى أن يحب الناس بعضهم بعضاً، على أهمية المحبة، بل هو أيضاً مسؤولية دولة ومؤسسات وقانون، فالأمن حق لجميع المواطنين، وحرية العبادة حق أصيل، وحماية دور العبادة والناس من التحريض والاعتداء واجب لا يقبل الانتقائية أو التهاون، كما أن العدالة لا تكتمل بمحاسبة من ضغط على الزناد وحده بل بالبحث وراءه عمن خطط أو موّل أو حرّض أو ساعد.
ولعل أجمل ما يمكن أن يواجه به الأردنيون هذه الجريمة ألا يسمحوا لها بتغيير طبيعة علاقاتهم اليومية، أن يبقى الجار جاراً، والصديق صديقاً، وابن العشيرة قريباً، وأن تستمر مشاركة الناس بعضهم بعضاً في الأفراح والأتراح، لا بوصفها مشهداً استثنائياً نلتقط له الصور بعد كل مأساة، بل باعتبارها الحياة العادية التي عرفتها البلاد منذ أجيال.
فنحن لا نحتاج بعد كل اعتداء إلى إعادة اكتشاف أن المسيحيين أردنيون، ولا إلى تذكير المسلمين بأن قتل الأبرياء حرام، نحتاج بالأحرى إلى حماية هذه القناعات من التشويه، وإلى نقلها من الشعارات إلى الممارسة، وإلى رفض أي خطاب يحاول تقسيم الناس إلى أصحاب وطن ومستأجرين فيه، أو إلى مؤمنين يستحقون الحياة وآخرين لا يستحقونها.
لقد أراد مرتكبو جريمة حمود، بالفعل الذي اقترفوه، أن يتركوا وراءهم خوفاً وجرحاً لا يندمل بسهولة، وربما كان في حساباتهم أن الرصاص يستطيع أن يهز الثقة بين الناس، وأن يجعل كل طرف ينظر إلى الآخر بريبة، لكنهم تجاهلوا أن العلاقات التي تشكلت عبر قرون لا تُختصر في لحظة عنف، وأن أبناء الكرك يعرفون بعضهم بعضاً معرفة أعمق من كل الروايات التي قد يصنعها دعاة الفتنة.
فالذي قُتل يوم الجمعة لم يكن غريباً عن أرضه، والذي فُجع به لم يكن وحده في مصابه، والذي وقف إلى جانبه من المسلمين لم يكن يقدم معروفاً إلى جماعة أخرى، بل كان يقف إلى جانب أهله وأبناء وطنه.
والكرك التي عرفت في تاريخها الطويل صعوبات وحروباً وتحولات قاسية، أكبر من أن يختصرها مشهد إجرامي، والأردن الذي قامت وحدته على تضحيات أبنائه جميعاً أكبر من أن يُختزل في مواجهة مصطنعة بين مسلم ومسيحي.
إن أرواح الضحايا تستحق أكثر من بيانات الإدانة العابرة، وأكثر من الكلمات التي تنتهي بانتهاء أيام الحداد، تستحق عدالة ناجزة، ومراجعة جادة لكل خطاب يغذي الكراهية، وعملاً وطنياً يعيد تأكيد أن المواطنة ليست رهينة للمعتقد، وأن كرامة الإنسان لا تقبل التجزئة، وأن الدم البريء لا يختلف لونه باختلاف الصلاة التي يؤديها صاحبه.
وبقدر ما ينبغي أن تكون المواجهة حازمة مع الفكر التكفيري الذي يستبيح الأرواح، يجب أن تكون واضحة أيضاً مع الذين يحاولون تحويل جرائمه إلى ذريعة لإشعال العداء للإسلام أو للمسلمين، فلا تسامح مع القتل باسم الدين، ولا قبول بالتحريض على الدين باسم الدفاع عن ضحايا القتل.
ستظل الكنيسة في حمود جزءاً من ذاكرة الكرك، وستبقى دماء شهدائها جرحاً في الضمير الأردني، لكن الرسالة التي ينبغي أن تخرج من هذا الحزن ليست أن المسيحيين والمسلمين مطالبون بالتعايش رغم اختلافهم، بل أنهم عاشوا معاً قبل أن يأتي من يحاول تعليمهم كيف يختلفون، وأنهم يعرفون معنى الأخوّة قبل أن يتحدث المتطرفون باسم الله أو باسم الدفاع عنه.
فهذه الأرض لم تكن يوماً ملكاً لدين دون آخر، ولا خُلقت لتكون ساحة اختبار لإيمان الناس وانتماءاتهم، هي أرض أهلها جميعاً، مسلميها ومسيحييها، الذين صنعوا تاريخها بعملهم وصبرهم وتضحياتهم، وحفظوا وجودها حين كانت الأخطار أكبر من أن يواجهها فريق وحده.
وفي النهاية، لن يكون الانتصار الحقيقي على جريمة الكرك بمجرد القبض على مرتكبيها، بل بأن يفشل كل من أراد لها أن تكون بداية فتنة، وأن يبقى المسجد والكنيسة في الأردن شاهدين على تاريخ مشترك لا خصمين في معركة، وألا يتحول حزن عائلة مسيحية إلى سبب لاتهام جيرانها المسلمين، ولا يتحول الدفاع عن الإسلام إلى عذر للتهاون في حماية المسيحيين.
فالأردن لا يحميه إنكار الاختلاف، بل احترامه، ولا تصونه المجاملات وحدها، بل العدالة والمواطنة والوعي بتاريخ هذه الأرض.
أما الذين أطلقوا الرصاص، والذين يحاولون اليوم استثمار صداه لإشعال الكراهية، فعليهم أن يدركوا أن ما جمع الأردنيين عبر القرون أعمق من أن تفرقه جريمة، وأن المسيحيين في هذا الوطن ليسوا ضيوفاً يحتاجون إلى من يحمي حقهم في البقاء، بل هم من أهل الدار، وأن الإسلام ليس دين القتلة الذين يتسترون باسمه، وأن الأردن، بكل أبنائه، لن يكون وطناً للتكفير ولا ساحة للتطرف المضاد.
ــ الدستور