اسامة الرنتيسي : ملحوظات من الفحيص بعد العملية الاجرامية
بإبداع لافت لخص الأردنيون طبيعة طينتهم وكيف جُبلوا على الوحدة الوطنية والمحبة والمساواة في يوم اردني – كركي بامتياز كانت حمود وشهداؤها بوصلة الجين الأردني الذي يتجاوز المحن ويتوحد عند الشدائد.
في اليومين الماضيين استمعت إلى جملة ملحوظات من الأصدقاء والأهل في الفحيص في إثر العملية الإجرامية التي وقعت في حمود، الملحوظات كان فيها ألم وحسرة وعدم شعور بالأمان والتفكير بالهجرة، وأن هناك كراهية تنبت أكثر في مجتمعنا بخطاب متطرف ضد الآخر، صَمَتت (للأسف) الدولة فترة طويلة عن مواجهته، والآن عليها ألا تترك فرصة لكنس هذا الفكر الإجرامي الذي يرفض الآخر والذي يأخذ مجتمعنا إلى مدايات لا تُحمد عقباها.
قالوا سيتم تجاوز الكارثة ومجتمعنا محصن ضد الفتن وضد الإقليمية والطائفية وكل مظاهر الفرقة، وسيتم معاقبة الجناة والتخلص منهم، لكن هل هذا يكفي ونمنع وقوع كوارث أخرى.
لهذا التطرف الإجرامي حواضن في مجتمعنا، وهناك تيارات تلعب على الحبلين في الموضوع بخطابين متناقضين، وهناك مناهج تربوية بحاجة إلى تنقيح من كل ما علق بها من سيطرة تيار عليها، وهناك خطباء على الدولة ضبط إيقاعهم على وتر الوطن لا على أوتار هجينة عن مجتمعنا وقيمنا ووحدتنا الوطنية.
يوما ما راق لي بوست على الفيس بوك كتبه بإبداع وذكاء حاد وبُعد نظر الصديق المهندس كمال مضاعين قال فيه:
أقتبس "أخطر ما يواجه الأردنيين المسيحيين هو الإحساس (بالأقلية) أي إحساسهم أنهم أقلية دينية قبل أن يكونوا عربا وأردنيين، هذا فايروس قاتل وللأسف، بعض الكنائس تسهم بنشره، ستكون أقلية فقط حين تحس أنك أقلية .. وتتقبل التمييز ضدك وتلعب دور الضحية. العرب المسيحيون هم الأصل وهم عرب أولا ورواد تنوير” انتهى الاقتباس.
لنعترف أنه في ظل ازدياد المخاوف التي يولدها التطرف المنتشر في بلادنا العربية، وفي ظل توسع النزاعات التي في جذرها غير المخفي نزاعات طائفية، يتم فيها القتل على الهُوية والاسم، ولهذا ازدحمت في العشر سنوات الأخيرة كنائس الأردن من المهجرين المسيحيين من العراق وسورية، بعضهم يضع الأردن محطته الأولى للهجرة إلى خارج العالم العربي، وبعضهم الآخر لا يملك مقومات تأمين الهجرة، فينتظر إلى حين يستتب الأمن في بلاده للعودة إلى وطنه وبيته وأهله.
قبل سنوات، كشف رئيس المعهد المَلِكي للدراسات الدينية السابق المرحوم د. كامل أبو جابر عن أرقام مرعبة حول انخفاض أعداد المسيحيين في الأردن بنحو 3%، والأكثر رعبا كانت دراسة كشفت عنها دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية في تقرير عنوانه "عزل وظلم: عيد الفصح تحت الاحتلال” عن تسارع وتيرة هجرة المسيحيين من الأرض المقدسة منذ عقدين وأن هجرة المسيحيين متواصلة بتسارع.
ونتج عن ذلك انخفاض حاد في عدد المسيحيين في القدس وبقية الأرض الفلسطينية المحتلة، ما أدى إلى التراجع التدريجي للوجود المسيحي والطبيعة المسيحية للمدينة المقدسة.
أرقام أبي جابر، أرجعت أسباب تراجع عدد المسيحيين في الأردن إلى عوامل عدة، منها ما ارتبط بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والخصائص الثقافية والمهنية وغياب العدالة، إضافة إلى الهجرة وجاذبية الدول التي هاجروا إليها .
أما تقرير منظمة التحرير فقد أفاد أن الأسباب التي تدفع المسيحيين إلى الهجرة هي نقص الحرية والأمن والتدهور الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي والتعليم خارج البلاد ولمّ شمل العائلات والجدار الإسرائيلي والحواجز العسكرية والتطرف الديني.
مهما تكن الأسباب، فإن تفريغ الأرض العربية من أحد عناصر مكوناتها الأساسية جريمة مكتملة العناصر، وتفريغ القدس تحديدا من أحد جدران حماتها الحقيقيين، هي سياسة صهيونية تعرف جيدا حقيقة المسيحيين العرب.
أقولها بصوت عالٍ إن بقاء المسيحيين العرب هو جزء أساسي من مكونات الأمة ومصلحة وطنية للأقطار العربية والأمة بشكل عام وفلسطين بشكل خاص.
الدايم الله…..