اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

«فزعة العضلات».. تعصُّب أعمى واستعراض فارغ

«فزعة العضلات».. تعصُّب أعمى واستعراض فارغ
أخبارنا :  

عمان - كامل النصيرات

كان «سالم» (اسم مستعار) يرتشف قهوته الصباحية في زاوية مقهى شعبي، حين انبعث صراخ حاد من الشارع الخارجي.. مشادة كلامية بسيطة على أولوية الاصطفاف بين سائقين تحولت في ومضة عين إلى تجمهر عارم.

لم يكد سالم يستوعب الأمر حتى رأى العشرات يتقاطرون هرولةً نحو المكان، ليس لفض النزاع أو تقريب وجهات النظر، بل هتافًا وحماسة مفرطة واندفاعًا أعمى يناصر أحدهم دون معرفة سبب الخلاف.

في غضون دقائق، أُغلقت الطريق، وتطايرت الحجارة، وتحطمت مرايا سيارتين بريئتين، وانفضَّ الشجار المفاجئ تاركًا خلفه جرحى ومركبات مهشمة وغلًّا مدفونًا في الصدور، بينما وقف الحماس الأعمى يصفق لانتصار وهمي على جثة العقل والمنطق.

«الفزعة» السلبية

هذه الحادثة العابرة ليست سوى نموذج مصغر لعدوى اجتماعية تتفشى في تفاصيل حياتنا اليومية، وهي ظاهرة «الفزعة» السلبية والتعصب الجهوي أو المناطقي الأعمى. وليست الفزعة بطبيعتها سلوكًا مذمومًا؛ فالشهامة وإغاثة الملهوف وإعانة المحتاج هي إرث تاريخي منذ زمن الأجداد وتجلى في أروع صور التضامن. لكن التحول الخطير يكمن في مسخ هذا المفهوم الأصيل وإعادة إنتاجه بصورة مشوهة، حيث تنقلب الفزعة من نصرة للحق ومظلومية إلى مناصرة عمياء للظالم لمجرد تشابه الأسماء أو تقاطع الجغرافيات، وحيث تُستبدل سيادة القانون بمنطق الغابة، واستعراضات عضلية فارغة المضمون.

تكمن جذور هذه الآفة في ترسبات نفسية واجتماعية عميقة تتغذى على الخوف والارتداد نحو الهويات الفرعية الضيقة كلما شعرت الجماعة بهزات الوجود أو سيولة المعايير. هنا يتراجع التفكير النقدي لصالح الغريزة الجهوية؛ فالشخص المندفع ضمن هذه الحشود لا يبحث عن الحقيقة ولا يأبه للعدالة، بل يبتغي إثبات الحضور وإشباع نزوة الانتماء الزائف عبر تدمير الآخر.

إننا أمام حالة من «استقواء العاطفة» على العقل المؤسسي، حيث تُعطَّل لغة الحوار وتُصادر أحكام القانون، ليحل محلها قانون الشارع ومنطق الترهيب، وهو ما يفرغ الروابط الاجتماعية من محتواها الإنساني السامي ويحولها إلى متفجرات موقوتة تهدد السلم الأهلي والنسيج المجتمعي بالتمزق والتآكل.

ثقافة ما قبل الدولة.

يؤكد الباحث الاجتماعي فهمي الكردي أن ظاهرة الفزعة السلبية تمثل ارتدادًا خطيرًا نحو ثقافة ما قبل الدولة الحديثة، مشيرًا إلى أن المجتمعات التي تتباطأ فيها سيادة القانون تصبح بيئة خصبة لنمو العصبيات الفرعية كبديل وهمي عن الأمان المجتمعي الشامل.

ويضيف الكردي أن الخلل لا يكمن في العاطفة الإيجابية للشهامة، بل في توظيفها المغرض لإرهاب الخصوم وتفريغ المؤسسات الرسمية من دورها، موضحًا أن خطورة هذه السلوكيات تتجاوز الخسائر المادية المباشرة لتضرب في عمق الانتماء الوطني الجامع، وتغرس في أجيال الناشئة فهمًا مشوهًا للكرامة والرجولة يقوم على الغلبة لا على الحق، وهو ما يستدعي تفكيك هذه المنظومة الفكرية المتخلفة عبر خطاب توعوي واجتماعي جريء يستهدف جذور المشكلة لا قشورها فقط.

إرادة مجتمعية صارمة

من جانبه، يرى الخبير القانوني زكريا أبو ناصر أن تهاون المجتمع في نبذ هذه الممارسات تحت غطاء التقاليد والعادات يشكل تواطؤًا غير مباشر مع الجريمة، مؤكدًا أن النصوص التشريعية وحدها تقف عاجزة عن اجتثاث الظاهرة ما لم ترافقها إرادة مجتمعية صارمة برفع الغطاء عن كل متطاول ومستهتر بالنظام العام.

ويشير أبو ناصر إلى أن البعد النفسي لهذه التجمعات يعكس شعورًا عميقًا بالفراغ وفقدان الهوية الفردية، حيث يذوب الشخص المأزوم داخل الحشد ليستمد منه قوة وهمية تعوض عجزه الشخصي، مشددًا على أن علاج هذا الخلل يتطلب إنفاذًا حاسمًا وفوريًا للقانون دون محاباة، إلى جانب برامج إعادة تأهيل مجتمعي تستهدف تنشئة الأفراد على احترام سيادة القانون ونبذ ثقافة التجمهر والتخريب المقنّع بشعارات الحماسة الزائفة.

خارطة طريق نحو التعافي الاجتماعي

من أجل التعافي من هذه الأزمة المجتمعية لا بد من الإنفاذ الحازم للقانون، وتغليظ العقوبات الرادعة بحق كل من يشارك في تعطيل السير، أو الترويع، أو إثارة الشغب تحت أي مسمى، ودون تهاون أو تدخلات جانبية.

ولا بد من تفعيل دور الإعلام التنويري وإنتاج محتوى درامي وصحفي جريء يسلط الضوء على الأبعاد المأساوية للفزعات السلبية ويبيّن الخلل في منطق الاستعراض العضلي الأجوف.

ولمناهج التربية المدنية دورها المهم، بإعادة صياغة المناهج المدرسية والجامعية لتأكيد قيم المواطنة، وسيادة القانون، والالتزام بالمسؤولية الفردية بدل الانتماءات الضيقة.

وعلى مراكز الإرشاد النفسي والمجتمعي تفعيل دورها بإنشاء مساحات حوارية في الأحياء والجامعات لتفريغ طاقات الشباب نحو الأنشطة المنتجة بدلًا من استنزافها في مشاحنات الشوارع والتعصبات الفارغة.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك