اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. يوسف منصور : الأردن عند عتبة نمو جديدة

د. يوسف منصور : الأردن عند عتبة نمو جديدة
أخبارنا :  

أظهرت تقديرات دائرة الإحصاءات العامة، الصادرة في 30 أيلول 2026، أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نما بنسبة 3% خلال الربع الثاني من العام الحالي، وهو ما توقعته سابقاً، مقارنة بنحو 2.8% في الربع نفسه من عام 2025، وبعد نمو بلغ 2.9% في الربع الأول من هذا العام. وبذلك أصبح الاقتصاد الأردني يتحرك عند عتبة 3%، بعد مسار من التحسن التدريجي خلال السنوات الأخيرة.سياحة الأردن


أهمية الرقم لا تكمن في بلوغ 3% بحد ذاته، وإنما في الاتجاه الذي يقف وراءه. لكن ما الذي يدفع النمو اليوم؟ الإجابة الأكثر تشجيعاً هي أن جزءاً مهماً من التحسن يأتي من الاقتصاد المنتج. فالبيانات الأخيرة تشير إلى أداء قوي في الصناعة التحويلية وعدد من الأنشطة الإنتاجية والخدمية المرتبطة بها. وهذا مهم، لأن النمو الذي تقوده الصناعة والاستثمار والتصدير يختلف في طبيعته وأثره عن نمو يعتمد أساساً على الاستهلاك أو على نشاطات قصيرة الأجل.


وأهمية الصناعة أنها لا تنمو وحدها. فنموها يحرك النقل والتجارة والخدمات، ويرفع فرص التصدير والتشغيل. وكلما زادت مساهمة القطاعات الأعلى إنتاجية وقيمة مضافة، أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على المحافظة على النمو، بدلاً من تسجيل ارتفاعات مؤقتة سرعان ما تتراجع.


لن ننتقل سريعاً من 3% إلى 4% أو 5% أو 8%، لأن الانتقال إلى معدلات نمو أعلى بصورة مستدامة يحتاج إلى إعادة هيكلة تدريجية للاقتصاد الأردني، وليس إلى قرار اقتصادي واحد أو حزمة تحفيز قصيرة الأجل. فالاقتصاد لا يستطيع مضاعفة سرعته بين ليلة وضحاها في الظروف العادية، لأن رفع النمو المستدام يتطلب توسيع القطاعات ذات الإنتاجية والقيمة المضافة المرتفعة، وزيادة الاستثمار، وتعميق القاعدة الصناعية والتصديرية، ورفع استخدام التكنولوجيا، وتحسين البنية التحتية للمياه والطاقة والنقل، وربط رأس المال البشري بصورة أكبر باحتياجات الاقتصاد الجديد. وهذه كلها تحولات هيكلية تحتاج إلى وقت واستثمار وتراكم في رأس المال والإنتاجية.سياحة الأردن


ومن هذه الزاوية تصبح المشاريع المقبلة مهمة في قراءة مستقبل النمو. فالبرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2026–2029 يتضمن 182 مبادرة موزعة على 25 قطاعاً، تنفذ من خلال 392 مشروعاً. كما يتضمن مشاريع استثمارية كبرى ومشاريع شراكة بين القطاعين العام والخاص، فيما تشير الحكومة إلى استثمارات بالشراكة مع القطاع الخاص تقارب 10 مليارات دينار خلال مدة تنفيذ البرنامج، مع بدء طرح وتنفيذ جزء منها في قطاعات الطاقة والمياه والنقل والبنية التحتية.


التركيز على المشاريع مهم للغاية؛ لأن السياسات والتشريعات تستطيع تحسين البيئة الاقتصادية، لكن المشاريع هي التي تحول التوجهات إلى استثمار حقيقي وطاقة إنتاجية جديدة. كما أن المشروع الكبير لا يعطي أثره دفعة واحدة. يبدأ الأثر أثناء التنفيذ من خلال الإنفاق والتشغيل والطلب على الإنشاءات والنقل والخدمات، ثم يصبح أعمق بعد التشغيل عندما يضيف طاقة إنتاجية جديدة ويخفض بعض تكاليف الاقتصاد ويفتح المجال أمام استثمارات أخرى.


لذلك، فإن جزءاً مهماً من أثر المشاريع التي يجري التحضير لها أو تنفيذها لم يظهر بعد بصورة كاملة في أرقام الناتج المحلي الإجمالي. وهذا ما يجعل قراءة النمو الحالي أكثر إيجابية: الاقتصاد وصل إلى عتبة 3% في وقت لا تزال فيه دورة جديدة من الاستثمار والمشاريع في مراحلها الأولى.


هناك عامل ثالث لا يجب أبداً أن يستهان به، وهو الثقة والتوقعات. فالمستثمر الذي يقرر إنشاء مصنع، والشركة التي تقرر التوسع، والأسرة التي تقرر شراء منزل أو سلعة معمرة، جميعهم يتخذون قراراتهم اليوم بناءً على ما يتوقعونه غداً. ولهذا أعطى علم الاقتصاد أهمية كبيرة للثقة والتوقعات في تفسير الاستثمار والاستهلاك والنشاط الاقتصادي.


وفي هذا السياق، يقدم استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، الصادر في نيسان 2026 بعد مرور عام ونصف على تشكيل الحكومة، مؤشراً مهماً على المزاج العام. فقد أظهر أن 54% من أفراد العينة الوطنية يرون أن الأمور في الأردن تسير في الاتجاه الإيجابي. كما رأى 62% أن الحكومة كانت قادرة على تحمل مسؤوليات المرحلة، و64% أن رئيس الوزراء كان قادراً على تحمل مسؤولياتها.سياحة الأردن


ولا تعني هذه النتائج أن التحديات الاقتصادية قد اختفت، لكنها تعني أن أغلبية من المستطلعين ما زالت تنظر بإيجابية إلى الاتجاه العام للبلاد، بالتزامن مع تحسن معدل النمو وبدء دورة جديدة من المشاريع والاستثمارات.


وهذه الثقة تأتي اليوم بالتزامن مع أمرين مهمين: نمو تحقق بالفعل، ومشاريع واستثمارات لم يظهر أثرها الكامل بعد. والثقة لا تصنع النمو بمفردها، لكنها مهمة عندما تقترن بالاستثمار والتنفيذ وتحسن المؤشرات الفعلية، لأنها تؤثر في استعداد الشركات والمستثمرين لاتخاذ قرارات التوسع والاستثمار.


وليس صحيحاً أن نقول إن ارتفاع الثقة هو الذي تسبب وحده في ارتفاع النمو؛ فالعلاقة الاقتصادية أكثر تعقيداً من ذلك. لكن تحسن التوقعات مهم، لأنه يشجع المستثمر على اتخاذ القرار بدلاً من الانتظار، ويعطي الشركات ثقة أكبر بالتوسع. وإذا ترافق ذلك مع تنفيذ المشاريع وارتفاع الإنتاجية، فإنه يضيف قوة جديدة إلى مسار النمو.


كما لا ينبغي أن يكون هدفنا مجرد رفع رقم النمو من 3% إلى 4% أو 5%. الأهم أن يأتي النمو نتيجة تحسن الإنتاجية، وأن يعتمد بصورة أكبر على الاستثمار والتصدير والتكنولوجيا، وأن يصبح أكثر قدرة على خلق فرص العمل ورفع دخل المواطن. فالغاية من النمو ليست تحسين جداول الحسابات القومية، وإنما تحسين حياة الناس.


الصورة اليوم تدعو إلى التفاؤل. فهناك اقتصاد ينمو بوتيرة أفضل، وقطاعات إنتاجية تتحرك، ومحفظة كبيرة من المشاريع والاستثمارات تدخل تدريجياً مرحلة التنفيذ، وحكومة جعلت المشاريع والنمو والتنفيذ محوراً أساسياً لبرنامجها الاقتصادي، إلى جانب مستوى ملحوظ من الثقة والتوقعات الإيجابية.


الثلاثة في المئة ليست سقفاً للاقتصاد الأردني. ولعل أهميتها الحقيقية أنها تحققت في بداية دورة جديدة من المشاريع والاستثمار، لا في نهايتها. ومع دخول هذه المشاريع حيز التنفيذ، واستمرار تحسن القطاعات الإنتاجية، وتعزز الثقة والتوقعات الإيجابية، فإن الفرصة متاحة للانتقال تدريجياً إلى معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة. أما الوصول إلى تلك المعدلات، فلن يكون قفزة تحدث بين ليلة وضحاها، بل نتيجة لإعادة هيكلة الاقتصاد ورفع إنتاجيته وتوسيع قاعدته الاستثمارية والإنتاجية.سياحة الأردن




مواضيع قد تهمك