اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

مؤيد السامرائي : عالمية القرآن الكريم وملة إبراهيم في رؤية الأمن القومي العالمي

مؤيد السامرائي : عالمية القرآن الكريم وملة إبراهيم في رؤية الأمن القومي العالمي
أخبارنا :  

مقدمة: القرآن كتاب لمسار عالمي


يقدّم القرآن الكريم نفسه لا بوصفه كتابًا تاريخيًا لقوم أو قبيلة، ولا سجلًا خاصًا بلسان أو عرق، بل بوصفه كتابًا لمسار عالمي يخاطب الإنسان بوصفه إنسانًا، ويربط رسالته بملة إبراهيم الحنيفة التي قامت على التوحيد الخالص، ونقد الشرك، وإعمال العقل والفطرة، والمسؤولية الفردية. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة قصص الحضارات القرآنية — عاد وثمود وفرعون — لا للسرد التاريخي المجرد، بل لاستخلاص قوانين سننية تتصل بالأمن والاستقرار والانهيار. وعند نقل هذه الرؤية إلى سؤال «الأمن القومي العالمي»، تبرز إشكالية مركزية: هل تكفي القوة والعمران والابتكار لحماية الأمم، أم أن الأمن الحقيقي يقوم على قاعدة أخلاقية توحيدية وعدلية ومساءلة؟ والقرآن يجيب بأن القوة بلا توحيد وعدل طريق إلى الهلاك، وأن المشروع الإبراهيمي يظل أساسًا صالحًا لتصور أمني عالمي يقوم على كرامة الإنسان، ومساءلة السلطة، والاستدامة، والسلام.


عالمية القرآن: الإيمان بالكتب والرسل بلا تفريق


عالمية القرآن تبدأ من مبدأ عقدي واضح: الله أمرنا فيه أن نؤمن به وملائكته وكتبه ورسله، وألا نفرق بين أحد من رسله. قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]. وقال: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 84]. وهذا المبدأ يجعل القرآن كتابًا عالميًا لا حكرًا على أمة أو لسان أو عرق، لأنه يربط الإيمان بمنظومة الرسالات كلها، ويجعل المسلم مؤمنًا بكتب الله ورسله جميعًا، لا شاهدًا على غيره فقط. ومن هنا فإن عالمية القرآن ليست شعارًا عاطفيًا، بل بنية عقدية: من يكفر ببعض الرسل أو يفرق بينهم فقد خرج عن منطق القرآن نفسه. وقد منعنا الخالق في كتابه أن نزكي رسولًا على رسول، أو نقارن بين كتبه ورسالاته على وجه التفريق والتحقير، لأن مصدرها واحد، وغايتها واحدة، ورسائلها متكاملة، وخاتمتها القرآن ومحمد ﷺ.


اتباع ملة إبراهيم ومقام إبراهيم في الصلاة


القرآن لا يقدم محمدًا ﷺ كبديل عن إبراهيم، بل كخاتم على ملة إبراهيم وداعٍ إليها. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 123]. وقال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: 78]. فمحمد ﷺ ليس حكرًا لقبيلة ولا لفئة من الناس، بل هو رسول للناس جميعًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: 28]. ومن أدلة عالمية المسار الإبراهيمي أن الله أمرنا عند صلاتنا أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]. فالصلاة نفسها مرتبطة بذاكرة إبراهيم، والبيت الحرام جُعل للناس جميعًا، لا لقوم دون قوم. وهذه إشارة بالغة إلى أن مقاصد محمد ﷺ هي مقاصد إبراهيم: توحيد، وتطهير، وإقامة بيت عالمي، ودعوة لا تخص قبيلة ولا لسانًا.


الاعتراض الإبراهيمي: تعبدون ما تنحتون


كان اعتراض إبراهيم على قومه منطقيًا وسهل الاستنتاج، لا يحتاج إلى فلسفة معقدة ولا إلى جدل لاهوتي مغلق. قال لهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 95-96]. فالمعادلة واضحة: أنتم تنحتون الأصنام بأيديكم، وتصنعونها، ثم تعبدونها. كيف يكون المخلوق المصنوع إلهًا؟ وكيف يكون من صنعتموه خالقًا لكم؟ إنه قلب فاضح للفطرة والعقل. وإذا كان الإنسان هو الذي يصنع «الخالق» بيده، فكيف يكون هذا «الخالق» خالقه؟ هذا هو الفكر المشرك في صورته المقلوبة. ومن هنا كان رفض إبراهيم للأصنام ليس تمردًا على مقدسات، بل تحكيمًا للعقل والفطرة: المصنوع لا يُعبد، والمخلوق لا يُؤله، والعاجز لا يُدعى. ولهذا كانت ملة إبراهيم ملة حنيفة، تقوم على التوحيد الخالص، لا على تقليد الآباء الأعمى. وهذا يؤكد أن اتباع ملة إبراهيم ليس تقليدًا موروثًا، بل استدلال فطري وعقلي: من صنع شيئًا لا يُعبد، ومن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا لا يُدعى من دون الله.


إبراهيم: من صفر مؤسسي إلى أمة وإمام


إن الله أمرنا باتباع ملة إبراهيم الحنيفة، لا لأن الإنسان مكتفٍ ذاتيًا بمعنى الاستقلال عن خالقه، بل لأنه خُلق مكرمًا بالروح التي نفخها الله فيه، ومزوّدًا بالفطرة والعقل والإرادة. فهو قادر على البحث والملاحظة والاستدلال، لكنه ليس مستقلًا عن الله في وجوده ولا في هدايته ولا في نصره. وقد اندثرت الحضارات الكبرى — قوم نوح وعاد وثمود — ولم تبق أمة مؤمنة قائمة، ولا رسول حي، ولا مؤسسة تحفظ التوحيد، فكانت بداية إبراهيم عليه السلام صفرًا مؤسسيًا، لا صفرًا معرفيًا مطلقًا؛ لأن بقايا التوحيد لم تنقطع تمامًا، ولأن الروح كانت تدفعه إلى البحث. فاستخدم إبراهيم عقله في نقد الأصنام التي هي رجس شيطاني، وتأمل الكواكب والقمر والشمس، ورفض عبادة ما يأفل ويغيب، حتى وصل إلى فاطر السماوات والأرض. ثم وفقه الله وأراه ملكوت السماوات والأرض، وهداه، وثبته، فنجّاه من النار، واصطفاه بالنبوة، وجعله «أمة» وإمامًا وأبا للأنبياء، ونقطة انطلاق جديدة للأمة التوحيدية.


البيت الحرام وتأسيس العالمية الإبراهيمية


بعد امتحانات شديدة لإبراهيم وإسماعيل، أمره الله ببناء البيت في مكة، في وادٍ غير ذي زرع، بين قوم ليسوا متكلمين بلغته، ليكون مثابة للناس وأمنًا، ورفعا القواعد ودعوا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: 129]. فكان هذا الدليل الفعلي على عالمية إبراهيم: بيت للناس جميعًا، ودعوة لا تخص قبيلة ولا لسانًا. ثم أمرنا الله أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى، وجعل ملة إبراهيم هي الحنيفة المسلمة، وربط بها خاتم الأنبياء. فاستجاب الله دعاءه بمحمد ﷺ الذي بُعث في أهل هذا البيت، وأنزل عليه القرآن، فكان الرسالة العالمية الخاتمة. وهكذا تصل الروح والفطرة والعقل والسعي والتوكل إلى ذروتها في خط إبراهيم: توحيد، وابتلاء، وبناء، ودعاء، واستجابة، وعالمية. لكن الروح تُلهم ولا تُجبر، والنفس الأمارة توسوس، والشيطان يدعو ولا يُكره، والإنسان مسؤول عن اختياره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].


الأمة الوسط وشهادة على أمة قادمة: قراءة اجتهادية


قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]. وفي قراءة اجتهادية معاصرة، يُطرح أن اختيار هذه الأمة ليس تمييزًا عرقيًا لسكان الجزيرة العربية، ولا تتويجًا لقومية أو لسان، بل هو حدث أكبر: تكليف عالمي بالشهادة. فالأمة الوسط ليست أمة مغلقة على دين سابق، بل أمة تستعد لتكون شاهدًا بين ملة إبراهيم وأمة قادمة لا نعلمها، قد تكون القطب المواجه لملة إبراهيم. وهذا الطرح يبقى في دائرة التدبر والاجتهاد، لا في دائرة القطع واليقين. والمهم أن الآية تنقل الأمة من منطق التميز إلى منطق المسؤولية: شهداء على الناس، لا حكامًا بالوراثة، ولا أوصياء على الله. ومن هنا فإن جانب الأمن القومي في هذا التصور إلهي المرجعية: التمسك بملة إبراهيم، والقرآن الكريم، والكتب السماوية، وكل ما طلبه الخالق منا، والاستعداد لأن نكون شهداء بالعدل بين الأمم، لا شهود زور مع سلطة أو عرق أو مال.


استمرار خط عيسى وأنصاره فوق المحاربين


من أدلة عالمية المسار الإبراهيمي أن الله أخبر عن استمرار خط عيسى وأنصاره فوق الذين حاربوه إلى يوم القيامة: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 55]. وهذا يعني أن الصراع بين التوحيد والطغيان ليس محصورًا في زمن أو قوم، بل هو خط ممتد. ومن هنا فإن الأمن القومي العالمي لا يقوم على الانغلاق الديني، بل على التمسك بالمرجعية الإبراهيمية الجامعة: ملة إبراهيم، والقرآن الكريم، والكتب السماوية، وكل ما طلبه الخالق منا. والاستعداد للشهادة بين الأمم ليس استعدادًا عسكريًا فقط، بل استعداد معرفي وأخلاقي وروحي: أن نفهم، ونشهد بالعدل، ونرفض الطغيان، ولا نزكي رسولًا على رسول، ولا نقارن بين كتب الله ورسالاته على وجه التفريق والتحقير.


التاريخ الديني كسنن: عاد وثمود وفرعون


تنتظم قصص الحضارات الثلاث في القرآن الكريم — عاد، وثمود، وفرعون — في خط واحد: قوة عمرانية استثنائية، واختراعات هندسية فريدة، ثم طغيان وتكذيب للرسل، ثم هلاك وعبرة. وقد خصّ الله كل أمة بوصف دالّ على منجزها: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ لعاد، ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ لثمود، ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ لفرعون. ويمكن قراءة هذه الأوصاف — في إطار اجتهادي معاصر — بوصفها إشارات إلى اختراعات بيئية ومجتمعية متكاملة. لكن الجامع أن القوة والعمران لا ينجيان من عذاب الله إذا اقترنا بالتكذيب والطغيان، وأن أخطر الشرك ما أنكر البعث وأفسد الأخلاق والمجتمع، لا ما ادّعى الألوهية فحسب.


عاد وثمود: القوة والهندسة ثم الطغيان


أما عاد، فهم قوم النبي هود عليه السلام، سكنوا منطقة الأحقاف جنوب شبه الجزيرة العربية، ووصفهم الله بأنهم ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾. و«العماد» هو الأعمدة والأساطين التي ترفع الأبنية الشاهقة، و«لم يُخلق مثلها» أي لم يُوجد مثلها في تفردها العمراني. فمنجزهم يقوم على هندسة إنشائية عمودية، ترفع القصور وتثبتها وتوفر التهوية والتظليل والقوة. وأما ثمود، فهم قوم النبي صالح عليه السلام، جاؤوا بعد عاد، وسكنوا منطقة الحِجر شمال غرب الجزيرة العربية، المعروفة اليوم بمدائن صالح. قال الله: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. و«فارهين» تحتمل البطر والأشر، وتحتمل الحذق والمهارة. وعلى المعنى الثاني، يكون الاختراع في الهندسة الجبلية الدقيقة: نحت البيوت والقصور في الصخر، وتكييفها مناخيًا، ففي الصيف يسكنون السهول، وفي الشتاء يلجأون إلى الجبال. فهي هندسة حرارية وبيئية مجتمعية قائمة على العزل والتكامل مع التضاريس والاستدامة. لكن ثمود عقرت الناقة، وأمنت مكر الله، وأفسدت في الأرض، فاستُؤصلت هلاكًا تامًا.


فرعون: مشروع أمني لحماية السلطة لا الشعب


أما فرعون، فهو ملك مصر في زمن موسى وهارون عليهما السلام، ووصفه القرآن بأنه ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾. ويُفسَّر «ذو الأوتاد» تقليديًا بالقوة والجنود والملك، لكن الطرح العلمي الحديث يقرؤه كإشارة إلى الأهرامات ووظيفتها البيئية. والمهم أن فرعون كان طاغية دولة يعرف الحق ويكتمه، بدليل سماحه لمستشار مؤمن بالدفاع عن موسى، وإيمان السحرة بعد المعجزة، وتصريح القرآن بأنه استيقن الآيات ظلمًا وعلوًّا، وإيمانه عند الغرق الذي رُدَّ عليه بأنه كان مفسدًا، فكان عقابه غرقًا مع نجاة بدنه ليكون آية لمن خلفه. وكان فرعون يدير ما يمكن تسميته «مشروع أمن قومي»، لكنه أمن سلطة لا أمن شعب: استضعاف بني إسرائيل، وقتل الأبناء، واستحياء النساء، وتجنيد السحرة، وحشد المدائن، والدعاية بـ«أنا ربكم الأعلى»، وبناء الصرح، ومطاردة موسى بجنوده، ومنع الإيمان إلا بإذنه. وكل ذلك كان غايته خدمة سلطته واستمرار حكمه. ويُلاحظ أن فرعون كان يستخدم السحرة رغم أن دولته قدّمت الهندسة والعمران في المشاريع الكبرى، لكنه استدعاهم حين رأى أن معجزة موسى — العصا التي صارت حية — تشبه فعل السحر، فأراد مواجهة السحر بالسحر. لكن السحرة آمنوا بعد أن رأوا الحق، فهددهم فرعون بالصلب والتقطيع، فانكشف أن مشروعه الأمني كان يحمي السلطة لا الشعب.


تفاوت الشرك والعقاب: قاعدة قرآنية في الأمن والعدل


أما عاد وثمود فكانتا فاحشتي الإجرام: أنكرتا البعث صراحة، واعتمدتا على القوة، واستكبرتا وبطرت، وعبدتا الأصنام؛ ثم جاءت ثمود آية مبصرة — الناقة — فعقرتها عنادًا، وأمنت مكر الله، وأفسدت في الأرض، فاستُؤصلتا هلاكًا تامًا. وأما قوم لوط فبلغوا فاحشة لم يسبقهم بها أحد، فقطعوا السبيل وأتوا في ناديهم المنكر، فكان عقابهم قلب مدنهم وإمطار الحجارة عليهم. وتلفت الدراسة إلى أن «فارهين» و«مترفيها» تصفان الطبقة المترفة المجرمة التي كانت أصل الفساد، كما في ثمود وقارون، فالله يهلك المترفين أولًا ثم يعم العذاب. وتخلص إلى أن اختلاف العقاب ليس تفاضلًا بسيطًا في الشدة، بل اختلاف في وظيفته وطبيعته، وفق قاعدة قرآنية تراعي العلم والبينة، ونوع الجرم، ونطاق الفساد، ووظيفة العقاب: آية للآخرين، أم استئصال لنموذج فساد، أم دمار شامل لفساد مسّ الفطرة والنسل.


المشتركات الإبراهيمية وأرضية التعاون العالمي


عند المقارنة بين القرآن والتوراة والإنجيل، تبرز شخصيات مشتركة مثل آدم ونوح وإبراهيم ويوسف وموسى وداود وزكريا ويحيى وعيسى، مع اختلافات لاهوتية وقانونية بين الأديان. وتتمثل مشتركاتهم في الاختيار الإلهي، والوحي، والدعوة إلى التوحيد والإصلاح، والمعجزات، والابتلاء والصبر، والقيادة، والعهد، والبشارة، والنجاة، والأخلاق. وفي القرآن، لكل نبي دور خاص: فآدم أصل الخلقة والتوبة، ونوح نذير ثابت، وإبراهيم أبو الأنبياء ومحطّم الأصنام، ويوسف نموذج الصبر والعفة والتدبير، وموسى محرّر ومشرّع وكليم الله، وداود ملك ونبي وصاحب الزبور، وزكريا ويحيى مثالا الدعاء والطهارة، وعيسى عبد الله ورسوله وصاحب المعجزات والبشارة بمحمد ﷺ. والرسالات الخمس الكبرى ليست ديانات منفصلة، بل مشروع إلهي واحد متدرج: مصدره واحد، وغايته واحدة، ورسائله متكاملة، وخاتمته القرآن ومحمد ﷺ.


نحو نموذج أمني إبراهيمي عالمي


انطلاقًا من عالمية القرآن وملة إبراهيم، يمكن صياغة ركائز للأمن القومي العالمي. الركيزة الأولى هي التوحيد، بمعنى نفي تأليه السلطة أو العرق أو المال أو الدولة؛ فكل طغيان سياسي يبدأ من تضخم الذات حتى تظن أنها فوق المساءلة. والركيزة الثانية هي العدل والمساءلة، فلا قداسة للحكام؛ فرعون كان يعرف الحق ويكتمه، واستيقن الآيات ظلمًا وعلوًّا، فكان عقابه غرقًا مع نجاة بدنه ليكون آية لمن خلفه. والركيزة الثالثة هي كرامة الإنسان؛ فهو مكرم بنفخة الروح، فلا يجوز استضعافه أو قتله أو تعذيبه باسم الأمن. والركيزة الرابعة هي حماية الفطرة والأسرة والأخلاق؛ فانهيار الأمم يبدأ من فساد الطبقة المترفة، وإنكار البعث، وقطع السبيل، وانتشار الفاحشة. والركيزة الخامسة هي العلم والعمران في خدمة الإنسان؛ فالعمارة والهندسة والابتكار البيئي قيم حضارية، لكنها لا تحمي أمة إذا اقترنت بالاستكبار. والركيزة السادسة هي الحرية والمسؤولية؛ فلا إكراه في الدين، والهداية بيان، والنفس مجاهدة، والإنسان مسؤول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾. والركيزة السابعة هي العالمية والتعاون الإبراهيمي؛ فالمشتركات بين الأديان الإبراهيمية تصلح كأرضية أخلاقية عالمية، مع حفظ الفروق اللاهوتية والقانونية.


تطبيقات معاصرة


في عالم اليوم، تهدد الأمن القومي العالمي نزاعات مسلحة، وسباقات تسلح، وإرهاب، وأزمات مناخية، وتفاوت اقتصادي، وأزمات هوية. والرؤية القرآنية الإبراهيمية تقترح أمنًا يقوم على العدل لا على القمع، وتنمية مستدامة تحفظ البيئة ولا تفسدها، ومحاسبة الطغاة ومنع استخدام الدين للإكراه، وحوارًا بين الأديان الإبراهيمية على أساس المشتركات الأخلاقية، وتعليمًا يربي العقل والفطرة والروح لا التلقين الأعمى، ورفضًا لتأليه الدولة أو الزعيم أو السوق أو العرق. كما تقترح فهمًا أعمق لعالمية القرآن: أنه كتاب لمسار عالمي، يؤمن بكتب الله ورسله جميعًا بلا تفريق، ويأمر باتباع ملة إبراهيم، ويجعل الأمة الوسط شاهدة على الناس، ويستعد أفرادها ليكونوا شهداء بالعدل بين ملة إبراهيم والأمم القادمة، لا حكامًا بالوراثة ولا أوصياء على الله. وهذا كله يبقى في دائرة التدبر والاجتهاد، لا في دائرة القطع واليقين.


خاتمة: القوة لا تحمي بلا توحيد وعدل


عالمية القرآن وملة إبراهيم تعني أن الأمن الحقيقي ليس مجرد قوة عسكرية أو عمران مادي، بل توحيد يحرر الإنسان من عبادة غير الله، وعدل يمنع الطغيان، ومسؤولية تصون الفطرة والأخلاق، وعالمية تفتح البيت والنبوة والرسالة للناس جميعًا. وقد بلغت عاد وثمود وفرعون ذروة القوة والعمران، لكنها كذبت رسل الله وطغت، فلم تغنِ عنها منجزاتها. فالقوة بلا إيمان وعدل طريق إلى الهلاك، والمشروع الإبراهيمي — بتوحيده وابتلائه وبنائه ودعائه وعالميته — يظل أساسًا صالحًا لتصور أمني عالمي يقوم على كرامة الإنسان، ومساءلة السلطة، والاستدامة، والسلام. والقرآن في هذا كله ليس كتابًا لقوم، بل كتاب لمسار عالمي: يؤمن بكتب الله ورسله جميعًا، ويأمر باتباع ملة إبراهيم، ويجعل الأمة الوسط شاهدة على الناس، ويستعد أفرادها ليكونوا شهداء بالعدل بين ملة إبراهيم والأمم القادمة، لا حكامًا بالوراثة ولا أوصياء على الله.


* مؤسس شبكة الابتكار الاستخباراتي الجماعي العابر للحدود (SAMANSIC)

* كبير مهندسي الابتكار السيادي، التكنولوجيا، والاستراتيجية الجيوسياسية


www.siina.org

مواضيع قد تهمك