اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. حازم قشوع : الملك ومنطوق العقبة

د. حازم قشوع : الملك ومنطوق العقبة
أخبارنا :  

د. حازم قشوع


حين نتحدث عن العقبة اليوم، فإننا لا نتحدث عن مدينة أردنية تطل على البحر الأحمر، ولا عن ميناء يشكل بوابة الأردن البحرية، ولا عن وجهة سياحية واستثمارية فحسب، وإنما نتحدث عن رؤية ملكية بدأت منذ بدايات عهد الملك عبدالله الثاني، تقوم على أن المكان يمكن أن يتحول إلى نموذج، وأن الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية، وأن القوة الاقتصادية يمكن أن تتحول إلى حضور سياسي. ومن هنا جاءت العقبة كتجربة انتقلت من هندسة المكان إلى هندسة الدور، ومن بناء المدينة إلى صناعة وظيفتها الوطنية والإقليمية والدولية.


فالعقبة لم تُترك لتتطور بصورة تلقائية، وإنما جرى التعامل معها ضمن مشروع متكامل يقوم على التخطيط والتنظيم وربط وظائف المكان بعضها ببعض، بحيث تتكامل السياحة مع الاستثمار، والميناء مع التجارة، والخدمات اللوجستية مع الأسواق، والتنمية مع التخطيط. وقد اعتمدت سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة مخططاً شمولياً امتد من "2002 الى 2020" لتنظيم المنطقة وتحديد وظائفها، شمل مدينة العقبة ومنطقة الميناء والمنطقة الساحلية الجنوبية ومناطق الصناعات والمطار، وغطى قطاعات السياحة والتجارة والصناعة والخدمات اللوجستية والاستثمار، بما جعل التخطيط أداة لصناعة المستقبل وليس مجرد تنظيم للمكان .


ومن هنا تقدمت العقبة بوصفها تجربة في الإدارة والتنمية، فأصبحت المنطقة الاقتصادية الخاصة تستهدف أن تكون وجهة سياحية عالمية وبوابة للتجارة والاستثمار ونموذجاً للتنمية المستدامة، فيما تطورت وظائف المدينة لتجمع بين السياحة والميناء والاستثمار والنقل والخدمات اللوجستية. وهكذا أصبحت العقبة مدينة متعددة الوظائف، لا مدينة ذات وظيفة واحدة؛ فالميناء جزء من حركتها، والسياحة جزء من اقتصادها، والاستثمار جزء من مستقبلها، والتخطيط جزء من هويتها التنموية.


لكن التحول الأهم لم يكن داخل حدود المدينة، وإنما في خروج اسمها من حدود الجغرافيا إلى فضاء السياسة الدولية. فمنذ إطلاق مبادرة «اجتماعات العقبة» عام 2015، أخذ اسم العقبة يتحرك في عواصم العالم، من الأردن إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا، وبمشاركة دول ومؤسسات إقليمية ودولية مختلفة، لبحث قضايا الأمن والاستقرار ومواجهة التحديات الأمنية والإرهاب والتطرف. وهنا لم يعد «العقبة» عنواناً لمكان انعقاد الاجتماع فقط، وإنما أصبح اسماً لمسار دولي للحوار والتنسيق.


وهنا تبدأ دلالة «منطوق العقبة»؛ فالمنطوق ليس ما تقوله المدينة بالكلمات، وإنما ما أصبحت تقوله من خلال دورها. فعندما يصبح اسم مدينة أردنية حاضراً في عواصم مختلفة، وعندما يجتمع تحت اسمها قادة دول ورؤساء حكومات ومسؤولون وصناع قرار وخبراء أمنيون وعسكريون، فإن الجغرافيا تكون قد بدأت تنتج سياسة، ويكون المكان قد أصبح جزءاً من صناعة الدور.


واليوم، في باريس، يتجدد هذا المعنى بصورة واضحة، حيث يترأس الملك عبدالله الثاني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس اللبناني العماد جوزاف عون الجولة الجديدة من «اجتماعات العقبة»، والمخصصة لبحث سبل دعم الجيش اللبناني. وقد التقى جلالة الملك بالرئيس اللبناني في باريس عشية الاجتماع، مؤكداً وقوف الأردن إلى جانب لبنان ودعم أمنه واستقراره وسيادته، وضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيه. كما يتواصل التنسيق السياسي بين الأردن وفرنسا، التي تستضيف الجولة الجديدة من المبادرة، بالتزامن مع اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعها الأردن مع فرنسا، في خطوة تؤكد ثبات الدور والرسالة الأردنية في تعزيز مناخات الأمن والاستقرار في المنطقة.


وتكتسب هذه الجولة دلالتها من طبيعة الحضور الذي أصبح يحمله اسم العقبة؛ فالمبادرة لم تعد محصورة في طرف أو منطقة واحدة، وإنما تحولت إلى مساحة تلتقي فيها دول عربية وأوروبية وأمريكية وآسيوية وأفريقية، وفق الملفات المطروحة في كل جولة. وهذا الاتساع في المشاركة جعل «اجتماعات العقبة» قناة للحوار والتنسيق بين عواصم متعددة حول قضايا تتصل بأمن المنطقة واستقرارها.


ومن هنا نستطيع القول إن الطاولة السياسية للمشرق العربي أخذت تجد أحد مسارات ترسيمها في العقبة فعندما تلتقي فيها دول المنطقة والقوى الدولية، وعندما ينتقل اسمها من مدينة أردنية إلى منتدى يجمع القادة وصناع القرار حول ملفات الأمن والاستقرار، فإن العقبة لا تعود مجرد مكان لاستضافة الاجتماعات، وإنما تصبح جزءاً من هندسة المشهد السياسي نفسه. ومن هنا يصبح «منطوق العقبة» أوسع من حدودها الجغرافية، لأنه يتصل بالمشرق العربي وامتداداته، وبالملفات التي تعيد تشكيل المنطقة، وبخطوط الترسيم القادمة التي تبدأ من الحوار قبل أن تصل إلى القرار.


فالعقبة التي جرى التخطيط لها لتكون مركزاً اقتصادياً وسياحياً ولوجستياً، أصبحت تحمل وظيفة سياسية تتجاوز حدودها، لتجمع بين اقتصاد المكان وسياسة الدور. الميناء بقي ميناءً، والسياحة بقيت سياحة، والاستثمار بقي استثماراً، لكن اسم العقبة أضاف إلى ذلك كله وظيفة جديدة تتمثل في صناعة الحوار، حتى أصبح المكان نفسه جزءاً من الرسالة التي يحملها الأردن في الإقليم والعالم.


ومن العقبة إلى باريس تتضح الحكاية أكثر؛ فالمدينة التي جرى التخطيط لتفاصيلها أصبحت تحمل رسالة تتجاوز تفاصيلها، وما بدأ من هندسة المكان أخذ ينتقل إلى هندسة الدور، وما كان مشروعاً للتنمية أصبح جزءاً من منظومة الحضور الأردني في الإقليم والعالم. وهذه هي دلالة «منطوق العقبة»: أن المكان عندما يُبنى على رؤية، يصبح قادراً على إنتاج المعنى، وأن الجغرافيا عندما تُدار ضمن مشروع دولة، يمكن أن تتحول إلى أداة من أدوات السياسة.


ولذلك فإن العقبة اليوم لا تختصر في البحر والسياحة والميناء، كما لا تختصر في الاقتصاد والاستثمار، وإنما أصبحت عنواناً لمسار يجمع بين التنمية والحوار، وبين الاقتصاد والسياسة، وبين الموقع والدور. وإذا كانت المدن تُقاس بما تنتجه داخل حدودها، فإن العقبة أصبحت تُقاس أيضاً بما يحمله اسمها خارج حدودها، وبما تفتحه من مساحات للحوار بين الدول والقادة وصناع القرار.


ولمن كانوا يتساءلون: أين الملك؟ ولماذا صمت الملك؟ فإن الإجابة موجودة في ما فعله ويفعله، وفي «منطوق العقبة» تحديداً، لا في مقدار ما يقوله. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تعيش تصاعداً متواصلاً في الأزمات، ظل الملك يتحرك في العواصم، ويلتقي القادة، ويؤكد المواقف الأردنية بشأن فلسطين ولبنان وسوريا وأمن المنطقة، ويدفع باتجاه التهدئة والحوار والحلول السياسية. وفي باريس اليوم، لا يقف الأردن خارج المشهد، بل يقف الملك في قلبه، مترئساً مع الرئيس الفرنسي والرئيس اللبناني جولة جديدة من «اجتماعات العقبة» حول دعم الجيش اللبناني واستقرار لبنان.


ولهؤلاء نقولها بصورة مباشرة: ماذا فعل الملك؟ فعل كثيراً، لكنه لم يكن معنياً بأن يتحدث عن كل ما يفعل. فالملك عندما يفعل لا يتكلم، وعندما يتحرك لا يحتاج إلى أن يشرح حركته في كل لحظة، لأن نتائج الفعل هي التي تتحدث. والعقبة نفسها واحدة من الإجابات؛ مدينة جرى بناء رؤيتها وتخطيطها، ثم أصبح اسمها منتدى دولياً، ثم أصبحت طاولة تلتقي حولها دول وقادة لبحث ملفات تمس أمن المشرق العربي واستقراره. وهنا يصبح الفعل هو المنطوق، وتصبح العقبة شاهداً عليه.


ومن هنا فإن «الملك ومنطوق العقبة» ليست مجرد حكاية مدينة تحولت إلى منتدى، وإنما حكاية رؤية انتقلت من هندسة المكان إلى هندسة الدور وبيان الرسالة، ومن اقتصاد المكان إلى سياسة الدور، ومن مدينة على البحر الأحمر إلى اسم حاضر على الطاولة الدولية. وفي هذه المسافة تحديداً تتشكل دلالة العقبة القادمة: الحروب ترسم واقعاً على الأرض، لكن الطاولة ترسم مسار السياسة، والأردن حين يحضر في الطاولة لا يأتي من فراغ، وإنما يأتي من موقعه، ومن رسالته، ومن قدرته على تحويل الجغرافيا إلى دور.. إنها ببساطة النقلة التي تختصر المشهد كله: «من هندسة الميدان إلى هندسة الطاولة».


مواضيع قد تهمك