د. حمد الكساسبة : صدمة النفط المؤجلة: ما الذي يمنع برنت من الارتفاع أكثر؟
كيف يبقى خام برنت قريباً من 110 دولارات، فيما تتعطل إمدادات خليجية مهمة وتتعرض ممرات حيوية مثل هرمز وباب المندب لضغوط متزامنة؟ هنا تكمن المفارقة: اضطراب الإمدادات يبدو واسعاً، لكن سعر برنت لا يعكسه بالكامل، بخلاف ما حدث في مارس 2022 حين لامس 139 دولاراً مع اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية. غير أن استقرار السعر النسبي لا يعني أن صدمة العرض محدودة؛ بل يعني أن السوق توزع كلفتها مؤقتاً بين طلب أضعف، ومخزونات تتراجع، وبراميل يعاد توجيهها، وكلفة نقل وتأمين أعلى.
من جهة العرض، الضغوط واضحة. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يقل متوسط الإمدادات العالمية في 2026 بنحو 5.7 ملايين برميل يومياً مقارنة بالعام السابق، مع بقاء أكثر من 10 ملايين برميل يومياً من إنتاج الخليج متوقفة في أغسطس. لكن السوق لا تسعّر حجم الاضطراب وحده، بل حجم النفط الذي يختفي فعلياً من يد المشتري. فإذا وصل البرميل عبر طريق أطول أو من مصدر بديل، ترتفع كلفته لكنه يبقى في السوق. وهنا يكمن الفرق بين فقدان البراميل وارتفاع كلفة الوصول إليها.
وفي الاتجاه الآخر، يعمل الطلب كقوة كابحة. فالوكالة نفسها تتوقع تراجع الطلب العالمي بنحو 2.5 مليون برميل يومياً في 2026، مع ضعف ملحوظ في آسيا. وهذا يفسر جانباً كبيراً من استقرار السعر النسبي: السوق تواجه عرضاً أقل، لكنها تواجه أيضاً طلباً أقل اندفاعاً. ولذلك يجري جزء من إعادة التوازن عبر انخفاض الاستهلاك، بدل أن يتحمل السعر وحده مهمة تقليص الفجوة.
أما المخزونات فهي التي اشترت للسوق الوقت. فقد تراجعت المخزونات النفطية المرصودة عالمياً بنحو 507 ملايين برميل منذ فبراير، منها 95 مليوناً في أغسطس وحده. الصين مثال مهم؛ فهي تستطيع تخفيف مشترياتها الفورية والاعتماد جزئياً على مخزون سبق بناؤه. غير أن هذه الوسادة تتآكل مع كل سحب جديد. فالمخزون لا يلغي الصدمة، بل يؤجل انتقالها الكامل إلى السعر، ويقلل في الوقت نفسه هامش الأمان أمام أي تعطل جديد.
وساعدت مرونة الإمدادات خارج المنطقة على تقليل الفجوة. فالولايات المتحدة تتجه إلى إنتاج قياسي، فيما تستمر البراميل الروسية في إعادة توجيه مسارها نحو آسيا. وفي المقابل، فإن جزءاً من الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى دول أوبك+ ليس متاحاً بالسهولة التي توحي بها الأرقام الاسمية ما دامت قيود النقل والإنتاج قائمة. وهذا أحد أهم دروس الأزمة: وجود القدرة على الإنتاج لا يكفي إذا تعذر إيصال البرميل إلى السوق. لذلك أصبح التعويض يعتمد على مزيج من الإنتاج البديل، وإعادة توجيه التدفقات، وإدارة المخزون.
وتزداد أهمية هذه النقطة مع اقتراب الشتاء. فالضغط قد يظهر أولاً في المنتجات المكررة، لا في الخام وحده. الديزل وزيت الغاز يمثلان قرابة 30% من الطلب النفطي العالمي، بينما تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية هبوط مخزونات المقطرات في الولايات المتحدة إلى أقل من 100 مليون برميل. وإذا جاء الشتاء بارداً بينما تستمر قيود التكرير والنقل، فقد ترتفع كلفة الوقود حتى لو ظل برنت أقل من ذرواته السابقة، لأن السوق ستكون أكثر حساسية لأي نقص في الديزل ووقود التدفئة.
وهنا تبرز رسالة مهمة للدول المستوردة. فالمرحلة الحالية تستدعي مراجعة هامش الأمان في المخزونات الاستراتيجية، ليس من الخام فقط، بل من الديزل ووقود التدفئة والمنتجات الأساسية أيضاً، إلى جانب تنويع مصادر الاستيراد وتحسين القدرة على السحب السريع عند التعطل. لكن بناء المخزون ينبغي أن يكون تدريجياً ومدروساً؛ فالشراء الاحترازي الواسع في سوق ضيقة قد يتحول هو نفسه إلى مصدر ضغط إضافي على الأسعار. فالمخزون الاستراتيجي أداة لإدارة مخاطر الإمداد، وليس وسيلة للمضاربة على اتجاه الأسعار.
لذلك فإن استقرار برنت النسبي عند مستوياته الحالية لا يعني أن السوق تجاوزت الصدمة. ما حدث أن العالم وزّع كلفتها بين ضعف الطلب، والمخزون، والإمدادات البديلة، وكلفة النقل. وسيكون الشتاء الاختبار الحقيقي لهذه المعادلة: إذا تعافت الإمدادات قبل اشتداد الطلب، قد تبدأ الضغوط بالتراجع؛ أما إذا تآكلت المخزونات أولاً، فقد تنتقل الكلفة سريعاً إلى السعر. فالسوق تستطيع شراء الوقت بالمخزون والبدائل، لكنها لا تستطيع شراءه إلى ما لا نهاية.