اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

سمير حمدان - بودابست : 130 دولارًا .. البرميل الذي قد يهز العالم

سمير حمدان  بودابست : 130 دولارًا .. البرميل الذي قد يهز العالم
أخبارنا :  

قد تكون المفاجأة الأخطر في وصول النفط إلى ١٣٠ دولارًا أن الرقم نفسه ليس المشكلة، فالعالم يستطيع تحمل قفزة حادة لأسابيع، لكن استمرارها لأشهر يرفع أسعار النقل والغذاء والصناعة والتمويل، وعندها لا يعود النفط مجرد سلعة غالية، بل يتحول إلى ضريبة غير معلنة على الاقتصاد العالمي، والسؤال ليس إلى أي ارتفاع سيصل البرميل، بل كم يستطيع العالم تحمله قبل أن تنتقل آثاره إلى كل شيء ؟


التاريخ يقدم التحذير الأول، صدمتا ١٩٧٣ و١٩٧٩ لم ترفعا أسعار الطاقة فقط، بل تداخلتا مع اختلالات اقتصادية ونقدية وأسهمتا في التضخم وضعف النمو، وعندما رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة بقوة في عهد بول فولكر لكسر التضخم، دفع الاقتصاد الثمن ركودًا وبطالة، وكان الدرس أن النفط لا يصنع الأزمة وحده، لكنه يستطيع إشعال نقاط الضعف الموجودة أصلًا .


وهذا ما يجعل ٢٠٢٦ مختلفة، فصندوق النقد يتوقع نموًا عالميًا بنحو ٣٪ وتضخمًا يبلغ ٤٫٧٪، فيما تحمل دول كثيرة ديونًا مرتفعة، لذلك يأتي النفط الغالي في وقت يحاول فيه العالم الموازنة بين النمو والأسعار والفائدة .


وتكشف الأرقام حجم الحساسية، فدراسة للبنك الدولي وجدت أن صدمات أسعار النفط فسرت أكثر من ٣٨٪ من تقلب التضخم العالمي خلال العقود الخمسة الماضية، وأن ارتفاع النفط بنحو ١٠٪ يمكن أن يضيف قرابة ٠٫٣٥ نقطة مئوية إلى التضخم خلال عام، وقد يصل الأثر إلى ٠٫٥٥ نقطة خلال ثلاثة أعوام .


وللخطر عنوان عربي أيضًا، فمضيق هرمز بوابة رئيسية لصادرات الخليج، ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية مر عبره في النصف الأول من ٢٠٢٥ نحو ٢٠٫٩ مليون برميل يوميًا من النفط والسوائل البترولية، أي قرابة خُمس الإمدادات العالمية، ولذلك فإن اضطرابه يضع النفط العربي في قلب أمن الطاقة العالمي، ويرفع أسعار الشحن والتأمين .


لكن كيف يصل ذلك إلى المواطن ؟، يبدأ من الوقود، ثم الشاحنات والسفن والطائرات، وبعدها الأسمدة والصناعة والغذاء، فتواجه الشركات خيارًا بين تحمل الزيادة أو نقلها إلى المستهلك، وهكذا يصل ارتفاع البرميل إلى فاتورة الطعام والنقل والخدمات داخل كل بيت .


وهنا تظهر المفاجأة الأهم، النفط عند ١٣٠ دولارًا قد يضرب العالم عبر سعر المال أكثر من سعر الطاقة، فإذا ارتفعت الأسعار مجددًا، تتردد البنوك المركزية في خفض الفائدة، فتبقى القروض والعقارات والاستثمارات وخدمة الديون غالية، وينتقل أثر البرميل إلى ميزانيات الأسر والشركات والحكومات .


أما عربيًا فالمعادلة أكثر تعقيدًا، الدول المصدرة تحصل على عائدات أكبر، بينما تواجه المستوردة فواتير أعلى وضغطًا على العملات والموازنات، كما أن تباطؤ الاقتصاد العالمي قد يرتد على المنتجين عبر ضعف التجارة والاستثمار والطلب على الطاقة، لذلك لا يوجد رابح عربي مطلق من ارتفاع النفط .


وأمام صانع القرار العربي ثلاثة احتمالات، الأول ارتفاع مؤقت يتراجع سريعًا، وهنا الأفضل ادخار جزء من العائدات، والثاني بقاء النفط بين ١٢٠ و١٣٠ دولارًا لأشهر، فتزداد مداخيل المنتجين لكن يضعف النمو العالمي، وهنا تصبح الأولوية الاستثمار وتنويع مصادر الدخل، أما الثالث والأخطر، فهو تزامن النفط الغالي مع اضطراب الغاز والغذاء والشحن، وعندها تتحول فرصة السعر المرتفع إلى أزمة معيشة وتمويل وتجارة .


وهنا يصبح التعاون العربي مصلحة اقتصادية، فاستثمار جزء من عائدات المنتجين في مشروعات عربية للطاقة والغذاء والنقل يقلل هشاشة المستوردين، ويمنح المنتجين استثمارات وأسواقًا طويلة الأجل، أي أن ما تربحه دولة من البرميل يمكن أن يتحول إلى قوة اقتصادية تتجاوز حدودها .


الخلاصة أن ١٣٠ دولارًا ليس رقم الانفجار، بل رقم الاختبار، فالنفط العربي قد يصبح أغلى، لكن ارتفاع السعر لا يجعل العرب أقوى تلقائيًا، فالقوة تبدأ عندما تتحول مكاسب مؤقتة من البرميل إلى استثمارات دائمة، وعندما تتحول مكانة العرب في سوق النفط العالمي إلى قوة داخل الاقتصاد العربي نفسه .


مواضيع قد تهمك