لارا علي العتوم : الأثر
ثمة أخبار تمرّ علينا فنقرأها، ثم ننتقل إلى غيرها، وثمة أخبار تبقى عالقة في الذاكرة، ليس لأن أرقامها كبيرة، وإنما لأن وراء كل رقم إنسانًا، ووراء كل إنسان أمًّا وأبًا وبيتًا وأصدقاء وأحلامًا لم تكتمل.
والوطن مجموعة من البيوت والأمهات والآباء والأبناء والوجوه التي نعرف بعضها ونجهل معظمها، والموت لا يأتي متساويًا إلى الناس، وإن كان يأخذهم جميعًا إلى المكان ذاته، والحقيقة ثابتة لم يُغيرها الزمان بأن الحياة أقصر مما نتصور، والإنسان أثمن مما نعامل بعضنا به أحيانًا.
وما كينونة المعنى الذي نمنحه لحياتنا قبل رحيلنا حين يصبح الوقت غير قابل للاسترداد، وحين تتحول حياة كاملة إلى صورة، واسم، وذكرى وحين ندرك أن الإنسان لا يأخذ معه في النهاية إلا ما تركه في الآخرين، فالموت لا يمنح الإنسان قيمته، كما أن طول العمر لا يمنحه المعنى.
حادث جَلّل، وضعنا أمام واحدة من اللحظات التي تضع الإنسان وجهًا لوجه أمام فكرة أن الوطن ليس مكانًا نعيش فيه فقط، وإنما ايضًا مسؤولية وهذه، في جوهرها، إحدى أهم وظائف الدولة بأن تنقل الإنسان من حدود الأنا إلى مساحة نحن وهنا تأتي خصوصية هذا الرحيل كأحد الأعمدة التي تقوم عليها فكرة الدولة بدون ان تجعل من الموت معيار الوطنية، فشعارها بأن أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان لوطنه هو أن يعيش من أجله أما التضحية فقيمتها لا تكون في الموت وإنما في المعنى الذي يستطيع الإنسان بتحمل ثمنه.
وهنا يكمن الجوهر، لإعادة التفكير في المعنى، تمامًا كالمعارك التي لا يسمع بها أحد، كأب يكمل حياته بعد أن فقد ابنه، وطفل يقاوم مرضًا وأم تتحمل فقدًا، وفي البيوت من يتعلم إخفاء الخوف عن طفل مريض، وأمهات وآباء يعيشون كل يوم على ألم خفي مُسلطًا الضوء على جوهر الحقيقة الثابتة بأن لا ندع حياتنا تمر بلا معنى، فحياتنا يجب أن تكون مهمة ونحن أحياء وليس عندما نصبح خبرًا، فالسلامة مسؤولية والمستقبل أمانة ولأنفسنا نصيبٌ من الصدق، لذلك علينا العيش بحياة تستحق أن تُروى وأن يكون للوطن نصيب من أعمارنا، وللناس نصيب من خيرنا ولأسرنا نصيب من حبنا، ولأنفسنا نصيب من الصدق.
فلن يبقى معنا شيء مما ظنناه يومًا مهمًا إلا ما تركناه في حياة الآخرين ويبقى الوطن، فهو ليس الأرض التي ندفن فيها موتانا، بل الأرض التي نحاول أن نجعل حياة أبنائها فيها أكثر أمنًا وكرامة ومعنى، وربما يكون من أصدق ما نفعله أمام هذه اللحظات أن نتوقف قليلًا، ليس للبحث عن الكلمات التي تفسر الغياب، فبعض الغياب أكبر من أن تفسره الكلمات، وإنما لنتذكر قيمة الحياة التي ما زالت بين أيدينا، وقيمة الإنسان الذي يشاركنا هذه الحياة، بأن نكون أكثر انتباهًا لبعضنا، وأن ندرك أن كل يوم نعيشه هو فرصة جديدة لأن نترك أثرًا طيبًا في حياة الآخرين لأننا وببساطة لا نملك أمام الموت الا التسليم، وأمام الفقد إلا الدعاء.
رحم الله من أخذهم الموت من بيننا ولم يستطع أن يأخذهم منّا، فبعض الغياب حضورٌ آخر وبعض الراحلين لا يرحلون أبدًا، لأنهم يسكنون في الذاكرة، وفي الدعاء، وفي كل شيء تركوه خلفه، رحم الله موتانا وشهداءنا.
حمى الله أمتنا - حمى الله الأردن -