خلدون ذيب النعيمي : حدة الملامح في نتاجها.. «ذهب أيلول»
في بداية ثمانينيات القرن الماضي صدر للسيدة فيروز البوم «ذهب ايلول» حمل ارق الكلمات واعذب الالحان في تاريخ الفن العربي حيث كتب كلماته الشاعر جوزيف حرب ولحنه فيلمون وهبة. الالبوم احتوى اغاني «ورقو الاصفر» وريت منن» و»طلعلي البكي» وفي كلمات هذه الاغاني البسيطة بمفرداتها والجزلة بمعانيها فضلاً عن طيف لحنها اللطيف تتمثل جمالية السامع في معايشتها وبقائها في الذاكرة كانه يسمعها لأول مرة رغم مرور ما يقارب نصف قرن على اصدار الالبوم.
ومن يعرف كاتب الكلمات الشاعر جوزيف حرب يتبادر لذهنه حدة ملامح وجهه كبحار قديم «يجحر» دائماً في نظره للبحر وسواه، وحرب هو من اختار اسم الديوان بذهب ايلول كناية ان هذا الشهر رغم وسمه بالضجر والتعب مع احساس اقتراب الشتاء وبرد ريحه فأنه قد يمثل ايضاً فرصة للأمل والتفاؤل سيما ان الشتاء يعقبه ربيع اخضر مزهر يانع.
لا بد ان رسالة حرب في «ذهب ايلول» كانت أولاً لوطنه لبنان وشعبه الذي كان يتألم وقتها من ضراوة الحرب الاهلية التي اصبح فيها ابن الوطن يتمترس وراء حزبه وطائفته لقتل اخيه في الوطن، فكان رؤية حرب ان الالم سينتهي بأن جمالية الامل في صدوره بلحظة قمة اليأس كضحكة طفل صغير تشق بكاءه، وحرب هنا الذي كان يصفه اصدقاؤه من الشعراء نظراً لحدة ملامح وجهه بشيخ الضباب وعكازه الريح تعلم وعشق اللغة العربية فسرت بدمه فاستطاع ان يتغلب على ذهنية حدة ملامحه بكلماتها الرقيقة التي يتعجب من يسمعها ان تصدر عن جوزيف حرب، وليس بعيداً عن حرب شريكه في «ذهب ايلول» الملحن فيلمون وهبه ولكن بقالب اخر بعيداً عن حدة ملامح وجه حرب فوهبة عُرف بسكتشاته الغنائية المضحكة مثل «سنفرلو عالسنفريان» وغيرها.
الثابت ان «ذهب ايلول» في مؤلفه وملحنه يمثل مقولة طالما سمعناها بحياتنا العامة بأن لا نحكم على الكتاب من عنوانه، فهنالك قاعدة أخلاقية وإنسانية أساسية بأن المظهر لا يعكس حقيقة الجوهر والأخلاق فالظروف الصعبة التي يواجهها البعض لا تنفي جمالية قلوبهم ونقاءها فلكل إنسان معاركه الحياتية الخاصة به التي قد لا تراها في شكله الخارجي، ويبدو هنا ان تعرض الشاعر حرب للاعتقال ومحاولات استهداف حياته على مدى سنين الفوضى في وطنه كان له الدور في بث الامل والتفاؤل في ذهبه الايلولي خلافاً لملامح وجهه الحادة التي عرفه فيها الاخرون.
نعم قد نواجه في حياتنا اناسا يبدون في وداعتهم الظاهرة ملائكة تطمئن القلوب اليهم واخرين في حدة ملامحهم ما تنفر منهم الافئدة ويتملك الالباب الريبة منهم، ولكن بين هؤلاء جميعاً يكمن الحكم في نتاجهم وسلوكهم الذي يبين ماهيتهم ككتاب مغلق وعنوانه مذهب، فالنتاج والسلوك ليس للخداع والمكر عليهم الا من ارتضى لنفسه ان يكون بإرادته ضحية لهما لسبب او لآخر.