د. رنيم الشوابكة : الجامعات الأردنية وتعزيز السردية الوطنية رقميا
يشهد العالم تحولًا تكنولوجيًا متسارعًا أعاد تشكيل أدوار مؤسسات التعليم العالي، فلم تعد الجامعات تقتصر على التدريس وإعداد الخريجين، بل أصبحت مراكز لإنتاج المعرفة وتطوير الابتكار ونقل الخبرات عبر البيئات الرقمية. وفي الأردن، يفرض هذا التحول على الجامعات مسؤولية تتجاوز مواكبة التطور التقني، لتشمل توظيف التكنولوجيا في خدمة المجتمع وتعزيز الهوية الوطنية وترسيخ مكانة المعرفة الأردنية في الفضاء الرقمي، بما يجعلها شريكًا رئيسًا في بناء السردية الوطنية وتطويرها.
وتستند السردية الوطنية الأردنية إلى تاريخ الدولة وإنجازاتها وقيمها وتجارب مجتمعها، وهي ليست رواية ثابتة، وإنما بناء معرفي يتجدد باستمرار من خلال البحث العلمي والتوثيق والتحليل. وفي عصر التحول التكنولوجي، تبرز الجامعات بوصفها البيئة الأكثر قدرة على إنتاج هذا المحتوى المعرفي، من خلال الدراسات العلمية، وتوثيق التجارب الوطنية، وتحليل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يضمن تقديم سردية تستند إلى المعرفة والأدلة، وتواكب المتغيرات المحلية والعالمية.
ويمنح التحول التكنولوجي الجامعات الأردنية أدوات جديدة لتعزيز هذا الدور، إذ أصبح بإمكانها توظيف المنصات الرقمية، والمستودعات البحثية، وقواعد البيانات، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، لإنتاج المعرفة الوطنية وتنظيمها وإتاحتها للباحثين وصناع القرار والمجتمع. وبهذه الأدوات لا يقتصر دور الجامعة على حفظ المعرفة، بل يمتد إلى نشرها وتوسيع أثرها، وتعزيز حضور القضايا الوطنية في البيئة الرقمية، بما يسهم في بناء سردية أكثر انتشارًا وتأثيرًا.
ويمتد أثر التكنولوجيا إلى ربط المعرفة الأكاديمية باحتياجات المجتمع، من خلال توجيه البحث العلمي نحو معالجة القضايا الوطنية، وتطوير حلول ابتكارية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات العامة والخاصة. كما تسهم التقنيات الحديثة في دعم ريادة الأعمال، وتسريع نقل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات عملية، بما يجعل السردية الوطنية مرتبطة بإنجازات واقعية تعكس قدرة الأردن على توظيف المعرفة في تحقيق التنمية.
ولا ينفصل هذا الدور عن رسالة الجامعة في إعداد الإنسان، إذ أصبح امتلاك المهارات الرقمية والتفكير النقدي والقدرة على الابتكار عناصر أساسية في بناء المواطن القادر على الإسهام في تنمية وطنه. ومن خلال توظيف التكنولوجيا في التعليم والتعلم والبحث العلمي، تستطيع الجامعات إعداد خريجين أكثر وعيًا بقضايا مجتمعهم، وأكثر قدرة على المشاركة في إنتاج المعرفة الوطنية والدفاع عنها وتطويرها، بما يعزز حضور السردية الوطنية لدى الأجيال الجديدة.
ومن هنا، فإن مستقبل السردية الوطنية الأردنية يرتبط بقدرة الجامعات على توظيف التحول التكنولوجي في إنتاج المعرفة ونشرها وربطها بقضايا المجتمع. فكلما نجحت الجامعات في استثمار التقنيات الحديثة لدعم البحث العلمي والابتكار والتفاعل المجتمعي، أصبحت أكثر قدرة على تقديم سردية وطنية متجددة تستند إلى الأدلة والإنجاز، وتعكس مكانة الأردن بوصفه دولة تستثمر في الإنسان والمعرفة والتكنولوجيا لبناء مستقبل أكثر تنافسية واستدامة.