اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. علي سليم الحموري : النقل المدرسي الآمن: اختبار حقيقي لإنفاذ حقوق الطفل

د. علي سليم الحموري : النقل المدرسي الآمن: اختبار حقيقي لإنفاذ حقوق الطفل
أخبارنا :  

يمثل التوسع في مشروع النقل المدرسي المجاني في مناطق البادية الجنوبية خطوة مهمة تستحق البناء عليها وتسريعها، بحيث لا تبقى تجربة محدودة في نطاق جغرافي معين، بل تتطور تدريجيًا إلى منظومة وطنية متكاملة للنقل المدرسي الآمن تشمل مختلف محافظات المملكة.


وبحسب التوسع المعلن، سيُضاف 3500 طالب وطالبة إلى المشروع، ليرتفع إجمالي عدد الطلبة المستفيدين في مناطق البادية الجنوبية إلى 12500 طالب وطالبة، إلى جانب قرابة 900 معلم ومعلمة. كما أن تنفيذ المشروع بالشراكة مع القطاع الخاص، واستخدام أنظمة التتبع الإلكتروني والكاميرات، والتوجه نحو تطبيقات ذكية تتيح للأهالي متابعة تنقل أبنائهم، كلها مؤشرات إيجابية على إمكانية بناء نموذج وطني حديث وآمن.


لكن القضية تتجاوز مجرد توفير وسيلة نقل من المنزل إلى المدرسة؛ فالنقل المدرسي الآمن يرتبط مباشرة بحق الطفل في التعليم والسلامة والحماية والكرامة وتكافؤ الفرص. فالحق في التعليم لا يبدأ عند باب الصف، وإنما منذ اللحظة التي يغادر فيها الطفل منزله متجهًا إلى مدرسته، وحتى عودته سالمًا إلى أسرته.


ومن هنا، فإننا بحاجة إلى خطوات سريعة وملموسة تحوّل توصيات تقارير حقوق الإنسان المتعلقة بتعزيز الحق في التعليم وحماية الطفل إلى سياسات وخدمات يلمس أثرها المواطن في حياته اليومية، وحتى لا يبقى قانون حقوق الطفل، بما يتضمنه من ضمانات ومبادئ، نصوصًا متقدمة على الورق دون إنفاذ فعلي على أرض الواقع.


ونحن نحتفل بيوم القانون، من المهم أن نتوقف عند حقيقة أساسية: لدينا في الأردن منظومة تشريعية متقدمة في العديد من المجالات، لكن التحدي الذي يتكرر هو بطء الانتقال من التشريع إلى التنفيذ. فالقانون لا تُقاس قيمته بكثرة نصوصه، وإنما بقدرته على حماية الإنسان وإحداث أثر حقيقي في حياته.


ولعل أبسط وسيلة لتشخيص الواقع أن تقوم الجهات الحكومية المختصة بإرسال فرق ميدانية مشتركة إلى عدد من المدارس الحكومية، عند حضور الطلبة صباحًا ومغادرتهم بعد انتهاء الدوام، لمشاهدة واقع النقل المدرسي كما هو على الأرض. فالمشهد أمام بعض المدارس كفيل بأن يكشف حجم المشكلة، بدءًا من اكتظاظ بعض المركبات، مرورًا بطرق صعود الأطفال ونزولهم، ووصولًا إلى مدى توافر متطلبات السلامة والتنظيم.


وهذه المسؤولية لا تقع على وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية وحدها، بل هي مسؤولية حكومية ومؤسسية مشتركة، تتطلب تنسيقًا حقيقيًا بين الوزارات والمؤسسات والهيئات المعنية، وفي مقدمتها الجهات المختصة بالتربية والتعليم والنقل والداخلية والإدارة المحلية، إلى جانب هيئة تنظيم النقل البري والجهات الأمنية والرقابية والتنفيذية ذات العلاقة. فحماية الطفل في طريقه إلى المدرسة لا يمكن أن تكون مسؤولية جهة واحدة.


وفي المقابل، فإن بناء منظومة وطنية للنقل المدرسي يتيح فرصة مهمة لتوسيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص؛ بحيث تتولى الدولة وضع المعايير والتشريعات والرقابة وضمان العدالة والسلامة، بينما يساهم القطاع الخاص في توفير الحافلات وتشغيلها وصيانتها وتطوير الأنظمة التقنية المرتبطة بها، ضمن عقود واضحة تخضع للرقابة والمساءلة.


ولهذه الشراكة بعد اقتصادي وتنموي مهم أيضًا؛ فالتوسع في النقل المدرسي على المستوى الوطني يمكن أن يخلق فرص عمل جديدة للسائقين والمشرفين والفنيين والعاملين في الصيانة والتشغيل وإدارة مراكز المتابعة والأنظمة الإلكترونية والتقنية. وبذلك لا يصبح المشروع وسيلة لتعزيز حقوق الطفل والحق في التعليم فحسب، بل يمكن أن يسهم، ولو جزئيًا، في التخفيف من مشكلة البطالة وخلق فرص عمل جديدة، ولا سيما للشباب.


إن المطلوب اليوم ليس مزيدًا من الدراسات والتوصيات بقدر ما هو تسريع التنفيذ والتوسع المدروس. فلدينا التشريعات، ولدينا تجربة عملية بدأت بالفعل، ولدينا قطاع خاص قادر على المشاركة، ولدينا حاجة مجتمعية واضحة.


المطلوب هو جمع هذه العناصر ضمن سياسة وطنية واحدة، تجعل النقل المدرسي الآمن جزءًا من منظومة حماية الطفل وضمان الحق في التعليم، لا مجرد خدمة نقل.

فالطفل الذي يغادر منزله متجهًا إلى المدرسة من حقه أن يصل إليها ويعود منها آمنًا.


وهذه ليست قضية مواصلات فحسب، بل قضية حق في التعليم، وحماية للطفل، وإنفاذ للقانون، ومسؤولية وطنية مشتركة.




مواضيع قد تهمك