اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. اميرة يوسف ظاهر : الأردن يعيد تعريف معركته مع المخاطر المناخية

د. اميرة يوسف ظاهر : الأردن يعيد تعريف معركته مع المخاطر المناخية
أخبارنا :  

من يتابع أعمال الورشة التشاركية حول الاستراتيجية الوطنية لتمويل مخاطر الكوارث، التي بدأت أعمالها في عمّان في الخامس عشر من أيلول/سبتمبر، يدرك أن الأمر يتجاوز مراجعة مسودة استراتيجية أو تحديد أولويات التمويل. فنحن أمام تحول في طريقة تفكير الأردن بإدارة المخاطر؛ من انتظار الكارثة ثم البحث عن المال لمعالجة آثارها، إلى الاستعداد المالي والمؤسسي لها قبل وقوعها.


وتكتسب هذه النقلة أهمية خاصة في الأردن، حيث تتقاطع المخاطر المناخية مع شح المياه والأمن الغذائي واستدامة الموارد وسبل العيش. فالجفاف، والفيضانات المفاجئة، وموجات الحر والصقيع لم تعد احتمالات بعيدة، بل مخاطر يتعين إدارتها ضمن التخطيط الاقتصادي والإنمائي.


فالخسارة التي يتعرض لها مزارع نتيجة الجفاف أو الصقيع لا تتوقف عند محصول تالف؛ فقد تعني فقدان الدخل، وتعثر الموسم التالي، واللجوء إلى الاقتراض أو ترك النشاط الزراعي. وعندما تتكرر الصدمات على نطاق واسع، تمتد آثارها إلى الأسواق وسلاسل التوريد والمجتمعات الريفية والأمن الغذائي، وصولاً إلى الموازنة العامة. لذلك فإن إدارة المخاطر الزراعية أصبحت جزءاً من إدارة الاقتصاد الوطني.


وهنا تبرز أهمية الاستراتيجية الوطنية لتمويل مخاطر الكوارث، التي تسعى إلى بناء منظومة توزع عبء الصدمة بدلاً من تركه يتركز في لحظة واحدة على الدولة أو المواطن. فالاحتفاظ بجزء من المخاطر ضمن الموارد العامة، وترتيب التمويل الطارئ مسبقاً، وتوسيع دور التأمين وإعادة التأمين، كلها أدوات متكاملة لتعزيز قدرة الأردن على امتصاص الصدمات والتعافي منها.


وفي هذا السياق، يبرز دور برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الأردن، الذي يمتد عمله عبر ملفات الحد من مخاطر الكوارث، والتكيف المناخي، والإنذار المبكر، والمياه، والزراعة، والبيئة، والاقتصاد الأخضر وبناء القدرات، وصولاً إلى التأمين وتمويل المخاطر. والقيمة الأهم لهذا التعاون لا تكمن فقط في المشاريع والتمويل، وإنما في دعم المعرفة والقدرات والأطر التي تستطيع المؤسسات الوطنية تطويرها واستدامتها.


ويشكل القطاع الزراعي نموذجاً واضحاً لهذه المقاربة. فوجود صندوق لإدارة المخاطر الزراعية منذ عام 2009، وتطوير الإطار التشريعي المرتبط به في عام 2025، يوفر قاعدة يمكن البناء عليها. لكن التحدي الحقيقي هو الانتقال من أدوات متفرقة إلى منظومة متكاملة تحدد المخاطر، ومن يتحملها، وكيف تمول، ومتى يتم التدخل، وكيف تصل الحماية إلى الأكثر تعرضاً للخسارة.


كما تزداد أهمية التأمين الزراعي، ولا سيما الأدوات المبتكرة كالتأمين القائم على المؤشرات، باعتباره وسيلة لحماية قدرة المزارع على الاستمرار، وليس مجرد تعويض مالي بعد الخسارة. فحماية المزارع والمنشأة الصغيرة تعني في الوقت نفسه حماية الدخل وفرص العمل وسلاسل الإنتاج.


وتتصل هذه المنظومة أيضاً بالمياه والإنذار المبكر. فمشاريع كفاءة استخدام المياه وحصاد الأمطار وإعادة الاستخدام تعزز التكيف مع الندرة المائية، بينما تمنح أنظمة الإنذار المبكر، ومنها التجارب المرتبطة بالسيول في البترا ووادي موسى، فرصة ثمينة للاستعداد وتقليل الخسائر. لكن الإنذار الذي يخبرنا بموعد الخطر يحتاج إلى منظومة تمويل تجيب عن سؤال آخر: من أين نمول الاستجابة عندما يصل الخطر؟


وهنا تلتقي الحلقات: البيانات تحدد المخاطر، والإنذار المبكر يمنح وقتاً للاستجابة، والتأمين ينقل جزءاً من الخطر، والتمويل الطارئ يوفر السيولة، والحماية الاجتماعية تسند الفئات الأضعف، والسياسات الوطنية تنظم العلاقة بينها. وهذا هو جوهر اقتصاد الصمود؛ اقتصاد لا يقاس فقط بقدرته على النمو، بل بقدرته على حماية مكتسباته عند وقوع الصدمات.


غير أن نجاح الاستراتيجية لن يقاس بجودة الوثيقة، وإنما بما ستنتجه بعد اعتمادها من سياسات وموازنات ومؤسسات ومسؤوليات واضحة. كما أن معيار النجاح ليس حجم التمويل الذي يمكن حشده فقط، بل مدى وصول الحماية إلى الأسر محدودة الدخل والمزارعين والمنشآت الصغيرة، وهي الفئات الأقل قدرة على تحمل الخسائر.


ويمتلك الأردن اليوم مؤسسات وتشريعات وتجارب وشراكات دولية يمكن البناء عليها. والمطلوب ليس بالضرورة المزيد من المبادرات المنفصلة، بل ربط ما هو قائم ضمن منظومة وطنية تبدأ بتحديد الخطر وتنتهي بالتعافي منه.


فالاستراتيجية الوطنية لتمويل مخاطر الكوارث ليست، في جوهرها، استراتيجية لتمويل الكوارث بقدر ما هي استراتيجية لحماية التنمية من الكوارث. والقضية الحقيقية ليست كيف سندفع عندما تقع الكارثة، بل كيف نكون قد استعددنا مالياً ومؤسسياً ومجتمعياً قبل وقوعها.


إن معركة المستقبل لن تكون مع الكارثة وحدها، بل مع كلفة عدم الاستعداد لها.





مواضيع قد تهمك