اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

فيصل تايه : حين يُجمَّد القرار التربوي .. من يحمي فلسفة التخطيط؟

فيصل تايه : حين يُجمَّد القرار التربوي .. من يحمي فلسفة التخطيط؟
أخبارنا :  

لم يكن قرار تجميد آلية توزيع طلبة جيل ٢٠٠٩ على الحقول الأكاديمية، الذي اتخذه وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية الأستاذ الدكتور عزمي المحافظة، مجرد تعديل في آلية التوزيع؛ فقد جاء بعد ضغط وإلحاح نيابي، وفي لحظة فارقة تطرح سؤالًا جوهرياً حول استقلالية القرار التربوي وحمايته من التجاذبات الآنية، في وقت كان يفترض أن يُمنح فيه القرار فرصة التطبيق والاختبار قبل الحكم عليه.


وهنا، في تقديري، تكمن القضية الحقيقية.


ليس السؤال ما إذا كانت رغبة الطالب مهمة؛ فهي الأساس. وليس السؤال ما إذا كانت نسبة الـ٣٠% رقمًا مقدساً؛ فهي قابلة للمراجعة والتطوير. السؤال الأهم هو: كيف نوازن بين حق الطالب في الاختيار، ومسؤولية الوزارة في التخطيط، وقدرة النظام التعليمي على استيعاب نتائج هذا الاختيار؟


فالآلية، كما أفهمها، لم تجعل الـ٣٠% نقطة البداية.


البداية هي رغبة الطالب. فإذا كانت أعداد الراغبين في الحقل ضمن طاقته الاستيعابية، مضى الطالب إلى خياره. أما إذا تجاوزت الرغبات القدرة المتاحة، فهنا تظهر الحاجة إلى تنظيم الأعداد واللجوء إلى معيار موضوعي للمفاضلة.


وهذه نقطة أرى أن جانباً مهماً من النقاش العام لم يتوقف عندها بما يكفي.


فالـ٣٠% لم تكن، في جوهرها، أداة لمنع الطالب من اختيار الحقل الذي يريده، وإنما سقفًا تخطيطياً للتعامل مع حالة تتجاوز فيها الرغبات قدرة النظام على الاستيعاب. والرقم نفسه يمكن مراجعته إذا أثبتت البيانات أن الواقع يحتاج إلى غيره، لكن مبدأ التخطيط للطاقة الاستيعابية لا يمكن أن يكون موضع إلغاء.

فالرغبة حق، لكن تنفيذ الرغبة يحتاج إلى قدرة.


المدرسة ليست مساحة بلا حدود؛ فكل حقل يحتاج إلى شعب ومعلمين ومختبرات وتجهيزات وموارد. وفتح الحقول بلا ضوابط لا يحل المشكلة، بل يرحّلها إلى قلب الغرفة الصفية، حيث قد تظهر في صورة اكتظاظ، وضغط على المختبرات، ونقص في الإمكانات، وتراجع في جودة التعليم. وقد تكسب القرارات التي تستجيب لضغط اللحظة قبولًا سريعًا، لكنها قد تترك المنظومة أمام كلفة أكبر على المدى البعيد.


ولهذا فإن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة واضحة هو: إذا تجاوزت رغبات الطلبة الطاقة الاستيعابية، فما البديل عن المفاضلة؟


إذا كان هناك معيار أكثر عدالة، فليُطرح. وإذا كانت الطاقة الاستيعابية تختلف بين المديريات والمدارس، فلتُراعَ هذه الفروق ضمن تخطيط أكثر مرونة. وإذا أثبتت البيانات أن السقف يحتاج إلى تعديل، فليُعدّل. أما إلغاء أداة التخطيط من دون بناء أداة بديلة، فلا يعالج المشكلة؛ بل يؤجلها.


أما جيل ٢٠٠٩، فأرى أن له خصوصية تستحق معالجة انتقالية مرنة؛ فهو جيل يخوض تجربة جديدة في ظروف لم تكن قواعدها مستقرة منذ سنوات دراسية مبكرة. ومن الطبيعي أن تحرص الوزارة على عدم تحميله تبعات مرحلة انتقالية لم يكن هو من صنعها.


وهنا يجب التأكيد على نقطة مهمة حتى لا يختلط الأمر على الطلبة والأسر: إن تجميد هذه الآلية يخص جيل ٢٠٠٩ تحديدًا، ولا يعني تغييراً دائماً في فلسفة نظام المسارات. أما جيل ٢٠١٠ والأجيال اللاحقة، فالأصل أن تعود الوزارة إلى الآلية والمعايير التي أقرتها مسبقاً، وفق ما تضعه من قواعد واضحة ومستقرة للتوزيع والمفاضلة والطاقة الاستيعابية.


وهذا التفريق ليس تفصيلًا إجرائيًا؛ بل هو جوهر المسألة، لأنه يضع قرار جيل ٢٠٠٩ في سياقه الصحيح: معالجة انتقالية لظروف جيل محدد، وليست إلغاءً لفلسفة التخطيط التي يفترض أن تحكم نظام المسارات في السنوات المقبلة.


والقضية لا تتوقف عند المدرسة. فإذا تركزت أعداد كبيرة في حقل واحد، فستنتقل آثار هذا القرار لاحقًا إلى التخصصات الجامعية، ثم إلى سوق العمل. ومن هنا يصبح توزيع الطلبة جزءًا من التخطيط الوطني لرأس المال البشري، وليس مجرد إجراء إداري داخل المدرسة.


وفي هذا السياق يأتي الدور النيابي. من حق مجلس النواب أن يراقب ويسأل وينقل مطالب الطلبة والأسر، وهذا جزء أصيل من دوره الدستوري. لكن الرقابة البرلمانية، في تقديري، تكون أكثر نضجًا عندما تعزز الاختصاص الفني لا عندما تحل محله. فمسؤولية الوزارة أن تشرح أسس قراراتها وبياناتها واحتياجاتها بوضوح، ومسؤولية النائب أن يمارس رقابته على الأداء والسياسات، أما إدارة التفاصيل الفنية للعملية التعليمية فتبقى من اختصاص المؤسسة التربوية وأهل الاختصاص.


فالرقابة تقوّي القرار عندما تكشف خللاً، لكنها تضعفه عندما تحل محل الاختصاص.


والسياسة التربوية لا ينبغي أن تتغير تحت ضغط اللحظة، لأن آثارها لا تنتهي بانتهاء الجدل حولها. القرار التربوي يُبنى على بيانات ودراسات، ويُختبر في الواقع، ثم يُراجع إذا أثبت التطبيق حاجته إلى المراجعة.


ولهذا لا أرى أن القضية ينبغي أن تتحول إلى دفاع عن الـ٣٠% أو هجوم عليها. القضية هي حماية الفلسفة التي تقف خلفها: أن يختار الطالب، وأن يكون النظام قادرًا على تنفيذ اختياره.


والمطلوب في المرحلة المقبلة ليس العودة إلى سقف جامد، ولا فتح الأبواب بلا ضوابط، وإنما بناء نظام أكثر مرونة للطاقة الاستيعابية، يستند إلى أعداد الطلبة، وقدرات المدارس، وأعداد المعلمين، والبنية التحتية، وطبيعة كل حقل، مع إرشاد أكاديمي ومهني يساعد الطالب على الاختيار الواعي.


ومن هنا أرى أن المعادلة العادلة يمكن اختصارها في أربع كلمات:

الطالب يختار، والوزارة تخطط، والبرلمان يراقب، والخبير يقيّم.


كل طرف له دوره، ولا ينبغي أن يحل طرف محل الآخر.

وفي النهاية، فإن حماية الطالب لا تكون بإلغاء كل ضابط قد يحد من رغبته، كما أن حماية القرار التربوي لا تكون برفض مراجعته. المطلوب هو أن نمنح القرار فرصة عادلة ليُختبر، وأن نملك الشجاعة لتعديله عندما تثبت البيانات أنه يحتاج إلى تعديل.


فجيل ٢٠٠٩ يستحق معالجة انتقالية تحميه، وجيل ٢٠١٠ والأجيال اللاحقة تستحق قواعد مستقرة، ومعلومات واضحة، واختيارًا واعيًا، وتخطيطًا قادرًا على استيعاب نتائج هذا الاختيار.


فالرغبة هي نقطة البداية، وليست نهاية التخطيط.

وإصلاح التعليم لا يحتاج فقط إلى قرارات صحيحة، بل يحتاج أيضًا إلى حماية القرار الصحيح من أن يُعطّل قبل أن يُختبر، ومراجعته عندما تثبت الوقائع أنه يحتاج إلى مراجعة.




مواضيع قد تهمك