اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. رانية سعد طرزي : مدينة بلا عتبات

م. رانية سعد طرزي : مدينة بلا عتبات
أخبارنا :  

إمكانية الوصول حقّ للجميع


ثلاث صور… ثلاث تجارب… ومدينة واحدة نريدها مناسبة للجميع.


هذه الصور ليست مجرد مشاهد من أماكن مختلفة؛ بل تعكس واقع إمكانية الوصول في مدينتنا، وتكشف الفرق بين مكان صُمم ليكون متاحاً للجميع، وآخر ما زال الوصول إليه مليئاً بالعوائق، وثالث يبدو مهيأً في الظاهر، لكنه لا يضمن الوصول والاستقلالية فعلياً.


علّمتني هندسة العمارة كيف أقرأ المكان، وعلّمتني تجربة الكرسي المتحرك كيف أرى عوائقه؛ لذلك أصبحت أنظر إلى مدينتنا بعين مهنية وتجربة إنسانية مباشرة.


أرى تفاصيل قد لا ننتبه إليها عندما تكون الحركة سهلة بالنسبة إلينا، وأدرك كيف يمكن لدرجة واحدة، أو منحدر شديد الميل، أو باب ضيق، أن يتحول إلى حاجز يحرم إنساناً من دخول مكان أو الحصول على خدمة متاحة للآخرين.


ولهذا أؤمن بأن إمكانية الوصول ليست رفاهية، بل حقّ للجميع.


وأذكر أنني في إحدى زياراتي لكلية الهندسة المعمارية في إحدى جامعاتنا العزيزة، لم أتمكن من الوصول إلى الكلية ذاتها التي تُدرَّس فيها أكواد إمكانية الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة. فكيف نعلّم الطلبة تصميم بيئة متاحة للجميع، في مبنى لا يستطيع بعض الناس الوصول إليه أصلاً؟


ثلاثة أماكن… وثلاث تجارب


تُظهر الصورة الأولى نموذجاً يمكن الوصول إليه بسهولة؛ مدخل واضح ومنحدر مناسب يتيحان للجميع الدخول والتحرك باستقلالية.


أما الصورة الثانية، فتُظهر الوجه الآخر للمشكلة؛ درجات وفروقات في المناسيب ومسار صعب يجعل الوصول تحدياً، رغم أن المكان يُفترض أن يكون متاحاً للجميع.


وتطرح الصورة الثالثة سؤالاً مهماً: هل يكفي وجود علامة أو موقف مخصص لنقول إن المكان أصبح مهيأً؟


الإجابة: لا.


إمكانية الوصول منظومة متكاملة تبدأ من الرصيف وموقف المركبة، وتمر بالمدخل والممرات والمصاعد والحمامات، ولا تكتمل إلا بالقدرة على الحصول على الخدمة نفسها باستقلالية وأمان وكرامة.


فلماذا يجب أن يواجه الإنسان كل هذه العوائق ليصل إلى مكان يُفترض أن يكون متاحاً للجميع؟


تصميم يخدم الجميع


إمكانية الوصول لا تخص مستخدمي الكراسي المتحركة وحدهم؛ فهي ضرورة لكبار السن، ولمستخدمي العكازات والعصي، وللأمهات والآباء الذين يدفعون عربات الأطفال، ولمن يمرون بإصابات مؤقتة، وللأطفال، ولكل إنسان قد يحتاج في مرحلة من حياته إلى بيئة أكثر سهولة وأماناً.


كما أن الحمامات المهيأة جزء أساسي من هذه المنظومة، بما تتطلبه من مساحات حركة ومناورة آمنة، ومساند وتجهيزات مناسبة تضمن استخدامها بأمان ودون الحاجة إلى مساعدة الآخرين.


التحدي في التطبيق


في الأردن تشريعات ومعايير تنظم متطلبات إمكانية الوصول، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود النصوص وحدها، بل في تطبيقها، والكشف الميداني على المنشآت، ومتابعة الالتزام بها بعد التنفيذ.


فقد يبدو المبنى مهيأً على المخطط، بينما تكشف التجربة الفعلية عن منحدر غير صالح، أو مصعد يتعذر الوصول إليه، أو مرافق مهيأة لا تؤدي الغرض الذي أُنشئت من أجله.


وتزداد المشكلة حين تفقد بعض التجهيزات المهيأة وظيفتها بعد تشغيل المبنى؛ ففي بعض المباني العامة يُستخدم المصعد أو المساحة المؤدية إليه للتخزين، فيتعذر الانتفاع به، كما تُحوَّل الحمامات المهيأة إلى مستودعات أو تُستعمل لأغراض أخرى، أو تُنفَّذ تجهيزاتها من دون مراعاة فعلية لمساحات الحركة والمناورة واحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة. وهنا لا يعود الخلل في غياب التجهيزات فحسب، بل في سوء استخدامها وضعف الرقابة والصيانة؛ إذ لا قيمة لمصعد أو حمام مهيأ يظهر في المخططات والوثائق، بينما يظل غير صالح للاستخدام في الواقع.


ولا يكفي أن يطابق المبنى المتطلبات الهندسية على الورق؛ فالمعيار الحقيقي هو قدرة الإنسان على استخدامه فعلياً. ولهذا ينبغي أن يجمع التدقيق بين المطابقة الفنية والتجربة الميدانية لمستخدمي المكان، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة.


كما يجب ألا يقتصر الالتزام بهذه المتطلبات على المباني والمشروعات الجديدة، بل ينبغي أن يشمل المباني القائمة والمرافق والخدمات العامة، ضمن برنامج واضح لتقييمها وتأهيلها وفق أولويات ومدد زمنية محددة.


من المخططات إلى الواقع


نحتاج إلى تدقيق شامل لإمكانية الوصول في الجامعات والمدارس والمباني الحكومية والمحاكم والمراكز الصحية والمطاعم والمقاهي والمتاحف والحدائق والبنوك، إضافة إلى وسائل النقل العام ومحطاتها ومواقف الانتظار، وسائر الأماكن التي يحتاج إليها المواطن والزائر في حياته اليومية.


كما ينبغي ربط ترخيص المنشآت وتجديد تراخيصها، حيثما ينطبق ذلك، بالتحقق الميداني من استيفاء متطلبات الوصول، وعدم الاكتفاء بما يظهر في المخططات أو بوضع علامة توحي بأن المكان مهيأ.


فعلى سبيل المثال، ينبغي أن يُشترط لمنح إذن الإشغال — لا رخصة البناء فقط — التحقق الميداني من تنفيذ المنحدرات وفق الميول والمواصفات المعتمدة، باعتبار ذلك شرطاً مسبقاً لتشغيل المشروع، لا بنداً يُستدرك لاحقاً أو يُترك لتقدير المشغّل بعد فتح المبنى للجمهور.


نموذج وطني يُحتذى


يمكن أن يبدأ هذا التحول من مؤسساتنا الوطنية الكبرى؛ البلديات والوزارات والجامعات والمستشفيات والمحاكم والمؤسسات المصرفية، لتقدم نموذجاً يُحتذى في تهيئة المباني والمسارات والخدمات للجميع.


إن احترام الإنسان يبدأ من ألّا يُضطر إلى طلب المساعدة ليصل إلى ما هو متاح للآخرين بيسر.


وتهيئة المدن لا تنتقص من جمالها ولا تمس هويتها المعمارية؛ فالتصميم الجيد يستطيع أن يجمع بين الجمال والوظيفة، وبين أصالة المكان وحق الإنسان في استخدامه.


بل إن المبنى الذي يُقصي بعض مستخدميه، مهما بدا جميلاً، يظل تصميماً ناقصاً في جوهره.


مدينة أفضل لنا جميعاً


إمكانية الوصول ليست مجاملة، ولا إضافة اختيارية، ولا عبئاً يمكن تأجيله؛ إنها حق وضرورة، وجزء أصيل من بناء مجتمع عادل وشامل.


فلنعمل معاً من أجل مدينة يستطيع فيها الجميع الوصول والتحرك والدراسة والعمل والحصول على الخدمات والعيش باستقلالية وأمان وكرامة.


نحن لا نطلب مدينة لفئة معينة…


نحن نريد مدينة أفضل لنا جميعاً.





مواضيع قد تهمك