اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

بلال محمود وادي : الأردن بعد شنتشن.. حين تصبح الفكرة اقتصاداً

بلال محمود وادي : الأردن بعد شنتشن.. حين تصبح الفكرة اقتصاداً
أخبارنا :  

ثمة مسافة تفصل بين الأمم التي تنتج الأفكار والأمم التي تصنع منها مستقبلاً. ليست مسافة الجغرافيا، ولا وفرة المال، وإنما تلك القدرة الاستثنائية على تحويل المعرفة إلى شركات، والأبحاث إلى صناعات، والطموح إلى اقتصاد. وفي هذه المسافة بالذات، تقف أمام الأردن فرصة تستحق أن تُقرأ بعيون مختلفة.

الأردن ليس بلداً يبحث عن الإبداع؛ فالإبداع يسكن جامعاته، وتتداوله مختبراته، وتحمله عقول شبابه. وتشهد المؤشرات الدولية على ذلك؛ إذ احتل المرتبة الخامسة بين 37 دولة ضمن شريحة الدخل المتوسط الأدنى في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025، متجاوزاً متوسط مجموعته في مختلف محاور الابتكار، فيما ارتفعت منشوراته العلمية بنسبة 17%. وهذه الأرقام ليست شهادة تقدير، بل إعلان صريح بأن الأساس المعرفي موجود، وأن الرهان المقبل هو مضاعفة أثره الاقتصادي.

وتأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى مدينة شنتشن الصينية لتمنح هذا الرهان أفقاً جديداً. فشنتشن ليست مجرد مدينة متقدمة، بل تجربة عالمية أعادت تعريف العلاقة بين الفكرة والسوق؛ هناك لا يكتفي المختبر بإنتاج المعرفة، ولا يكتفي المصنع بالتنفيذ، ولا ينتظر المستثمر اكتمال المعجزة، وإنما تتحرك الأطراف جميعها ضمن منظومة تعرف كيف تصنع الفرصة قبل أن تمر.

وليس من المصادفة أن يتصدر عنقود شنتشن - هونغ كونغ - قوانغتشو عناقيد الابتكار العالمية. فالتجارب الكبرى لا تصنعها التكنولوجيا وحدها، بل تصنعها سرعة التجريب، ومرونة التطوير، وتكامل المواهب، واتصال المعرفة بالاستثمار. تلك هي العناصر التي تمنح الأفكار عمراً أطول، والأسواق قدرة أكبر على اكتشاف القادم.

وفي منطقة استقطبت شركاتها الناشئة نحو 1.7 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، يملك الأردن مقومات تؤهله لتعزيز حضوره: رأس مال بشري متعلم، وجامعات فاعلة، وشباب قادر على المنافسة، ورؤية ملكية تدرك أن الإنسان هو الاستثمار الأجدى والأبقى.

وما تمنحه التجربة الصينية للأردن ليس وصفة جاهزة، بل إمكانية بناء شراكات تنقل الخبرة، وتفتح أبواب التصنيع المشترك، وتربط الباحث بالمستثمر، وتضع الريادي الأردني في تماس مباشر مع الأسواق وسلاسل الإنتاج العالمية. عندها تصبح الجامعة نقطة انطلاق لشركات جديدة، ويغدو البحث العلمي أصلاً اقتصادياً، وتتحول مراكز الريادة إلى منصات لصناعة الفرص.

إن الرهان الأردني لا يبدأ من سؤال: كيف نبتكر؟ فهذا السؤال أجابت عنه كفاءاتنا منذ زمن. الرهان الحقيقي هو: كيف نمنح ابتكاراتنا القدرة على النمو والبقاء والمنافسة؟

فالأوطان لا تتقدم بما تعرفه فقط، وإنما بما تنجح في تحويله إلى أثر. والأردن، بما يملكه من عقول وما تفتحه الرؤية الملكية من آفاق، مؤهل لأن يكتب فصله القادم بلغة الاقتصاد الذي تصنعه الفكرة.

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك