محمود الدباس ــ ابو الليث : هل من رجال شرفاء .. ليحصدوا ما يزرعه الملك؟!
قدّر الله لي أن أكون عضواً في هيئة المديرين لمجموعة استثمارية في إحدى الدول العربية.. وعندما قررنا تأسيس شركة جديدة ضمن المجموعة.. لم نترك شيئاً للصدفة.. كان التأسيس مهنياً من أعلى المستويات.. حتى إننا تدخلنا في طبيعة موظفي الاستقبال.. لأننا كنا نؤمن أن نجاح المؤسسة يبدأ من أصغر تفصيل فيها.. وأن كل من يجلس خلف مكتب فيها يجب أن يكون مؤمناً بما جاءت من أجله..
وكنت أراقب شيئاً لفت انتباهي طوال تلك التجربة.. لم أذكر مشروعاً واحداً خسرته الشركة.. كان قد تحرك من أجله رئيس المجموعة.. أو أحد أعضاء هيئة المديرين.. كان المشروع عندما يلوح في الأفق يتحول إلى قضية تستحق القتال.. يتلقفونه بكل مهنية وشغف.. ويدخلون المنافسة بكل قوة.. ويبحثون عن كل طريق مشروع للفوز به.. ثم ينفذونه بأعلى درجات الكفاءة.. لأنهم كانوا يعرفون أن الاستثمار.. لا يأتي لمن ينتظر على كرسيه.. ولا يبقى لمن لا يعرف كيف يحافظ عليه..
وأنا أراقب ما يفعله جلالة الملك في الخارج.. أتذكر تلك التجربة كثيراً..
فالملك.. وهو رأس هرم الدولة.. لا يجلس في قصره منتظراً أن يأتي المستثمر إلى الأردن.. بل يحمل الأردن معه أينما ذهب.. يلتقي السياسي والاقتصادي والمستثمر والإعلامي.. ويشرح لهم فرص الأردن وموقعه وإمكاناته وقدراته.. ويتحدث عن بلد صغير في موارده.. لكنه كبير في موقعه وعلاقاته وعقوله وكفاءاته.. ويطرق أبواب الدول والمنظمات والمؤسسات الدولية.. ويضع الأردن أمام العالم كفرصة تستحق أن تُرى وتُدرس وتُستثمر..
ونسمع بعد ذلك ما يصدر عن تلك الدول والمنظمات من إعجاب بما يطرحه الملك.. ونرى رغبة في التعاون.. ونسمع عن فرص واستثمارات ومشاريع ومذكرات واتفاقيات..
وهنا تحديداً.. يبدأ السؤال الذي لا أستطيع أن أهرب منه..
ماذا يحدث بعد أن يعود الملك؟!..
هل تعود الراية إلى الأرض؟!.. أم يتسلمها رجال.. يعرفون أن ما زرعه الملك في الخارج.. ليس خطاباً سياسياً.. ولا صورة في نشرة أخبار.. وإنما فرص عمل.. ومصانع.. وشركات.. وأموال.. وأرزاق لأردنيين ينتظرون منذ سنوات أن يتحرك الاقتصاد؟!..
لدينا موقع جيوسياسي لا تستطيع كثير من الدول شراءه مهما دفعت..
ولدينا اتفاقيات اقتصادية مع الاتحاد الأوروبي وكندا والولايات المتحدة.. تمنح منتجاتنا مزايا وإعفاءات.. تجعلنا في موقع تتمنى الوصول إليه دول أخرى..
ولدينا علاقات سياسية واسعة مع معظم دول العالم..
ولدينا بنية تحتية..
ولدينا جامعات..
ولدينا عقول أردنية أثبتت نفسها في أكبر مؤسسات العالم..
ولدينا شباب قادرون على العمل والإبداع..
فماذا ينقصنا؟!..
هل ينقصنا الموقع؟!.. لا..
هل تنقصنا الاتفاقيات؟!.. لا..
هل تنقصنا العلاقات الدولية؟!.. لا..
هل تنقصنا الكفاءات؟!.. لا..
إذن.. أين العلة؟!..
العلة قد تكون في الرجل الذي يجلس خلف المكتب.. ولا يرى في المستثمر إلا ملفاً جديداً يجب أن يمر على عشرات المكاتب..
وفي المسؤول الذي يتعامل مع المشروع وكأنه عبء يجب التخلص منه..
وفي الموظف الذي يملك صلاحية تسهيل إجراء فيؤجله.. أو يطلب المزيد من الأوراق.. أو يرسل المستثمر من باب إلى باب حتى يخرج من الأردن.. وهو يسأل نفسه.. لماذا أضع مالي هنا؟!..
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة..
هل لدينا رجال دولة حقيقيون.. شرفاء.. وطنيون.. مهنيون.. أقوياء.. وأمناء.. يستطيعون أن يحملوا الراية التي يحملها الملك؟!..
لا نريد رجالاً يجيدون الحديث عن الاستثمار في المؤتمرات.. ولا مسؤولين يحفظون أسماء المؤسسات الدولية.. ولا لجاناً تجتمع لتشكيل لجان أخرى..
نريد رجالاً إذا عاد الملك من الخارج حاملاً فرصة.. شعروا أن عليهم واجباً وطنياً.. أن يحولوها إلى مشروع قائم على الأرض..
نريد مسؤولاً يرى في المستثمر الأردني والأجنبي شريكاً لا خصماً.. ويرى في المشروع فرصة لا معاملة.. ويرى في كل يوم تأخير خسارة لبلده.. وفي كل نافذة مغلقة فرصة لدولة أخرى ستفتحها غداً..
فالأردن اليوم لا يحتمل أن تبقى الفرص على الورق.. ولا يحتمل أن يأتي مستثمر إلى بلادنا محمولاً على أكتاف جهود الملك.. ثم يخرج منها محمولاً على أكتاف البيروقراطية والتطفيش..
نحن نعيش ضنكاً يعرفه القاصي والداني جيداً.. شركات تغلق أبوابها.. استثمارات تبحث عن بيئات أكثر جاذبية.. شباب يبحثون عن عمل.. ومؤسسات تكافح كي تبقى واقفة.. وفي المقابل.. ما زلنا نسمع عن فرص استثمارية كبرى.. وعن مؤتمرات واتفاقيات ووفود وزيارات..
فأين الطحين؟!..
أين المصانع التي كان يجب أن تُبنى؟!.. أين الوظائف التي كان يجب أن تُخلق؟!.. أين رأس المال الذي كان يمكن أن يدخل البلاد؟!.. وأين المشاريع التي كان يمكن أن تغير حياة الناس؟!..
ليس المطلوب أن نلوم الملك.. فالملك يفعل ما يستطيع أن يفعله رأس الدولة.. يسوّق.. يلتقي.. يفتح الأبواب.. ويضع الأردن على الطاولة..
لكن بعد أن يفتح الملك الباب.. يجب أن يكون هناك من يدخل منه بكل قوة وشغف..
وبعد أن يزرع الملك.. يجب أن يكون هناك من يسقي الزرع..
وبعد أن تنضج الفرصة.. يجب أن يكون هناك رجال يحصدونها..
فهل لدينا هؤلاء الرجال؟!..
أم أن الفجوة أصبحت كبيرة إلى هذا الحد بين فكر الملك.. ورؤيته.. وحركته.. وجهده.. وبين عقلية بعض من يستلمون الراية بعده؟!..
يا سادة.. الوطن ليس ناقصاً أفكاراً.. ولا ناقصاً فرصاً.. ولا ناقصاً أبواباً مفتوحة..
الوطن ناقص رجالاً عندما تأتيهم الفرصة.. لا ينامون قبل أن يمسكوا بها.. وعندما يطرق المستثمر بابهم.. لا يجعلونه يندم على أنه طرقه.. وعندما يزرع الملك في الخارج.. يعرفون أن واجبهم في الداخل ليس التصفيق للزارع.. وإنما أن يحصدوا ما زرع..
فالملك يستطيع أن يفتح للعالم أبواب الأردن.. لكنه لا يستطيع أن يركض خلف كل مستثمر.. ولا أن يبني كل مصنع.. ولا أن يلاحق كل معاملة.. ولا أن يحاسب كل موظف..
وهنا يبدأ دور الرجال الرجال..
فهل من رجال تدب في عروقهم نار الغيرة على وضع الوطن والمواطن؟!..