أ. د. زيد الحمدان : المدرسة أولًا .. نحو تعليم نوعي يحدّ من عبء الدروس الخصوصية
مع بداية عام دراسي جديد، أتقدم بالتهنئة إلى أبنائنا وبناتنا الطلبة، وإلى أسرهم ومعلميهم وإدارات مدارسهم، راجيًا أن يكون هذا العام محطةً جديدة للعلم والنجاح وبناء الشخصية. فبدء العام الدراسي ليس مجرد عودة إلى الصفوف والكتب، بل هو تجدد للأمل، واستثمار في مستقبل الوطن، وفرصة لتعزيز الثقة بمدرستنا ومعلمنا ونظامنا التعليمي.
وفي هذه المناسبة، لا بد من توجيه كلمة صادقة إلى المعلمين والمعلمات، فهم أصحاب الرسالة، والأقدر على ترك أثر لا يُمحى في حياة الطلبة. يحتاج أبناؤنا إلى معلم يتعامل معهم بروح أبوية وتربوية، فيجمع بين الحزم والرحمة، وبين الانضباط والتشجيع، ويراعي الفروق الفردية بينهم، ويمنح الطالب فرصة للسؤال والخطأ والمحاولة دون سخرية أو تخويف.
وقد ينسى الطالب كثيرًا مما ورد في الكتاب، لكنه لا ينسى معلمًا احترمه، أو كلمةً رفعت معنوياته، أو موقفًا أعاد إليه ثقته بنفسه. ومن هنا، فإن جودة التعليم لا تعتمد على محتوى المنهاج وحده، وإنما على طبيعة العلاقة الإنسانية داخل الصف، وعلى قدرة المعلم على اكتشاف مواطن القوة والضعف لدى طلبته والتعامل معها بمهنية وإنصاف.
ومن المهم أيضًا إعادة النظر في شكل الحصة الصفية. فالحصة الناجحة ليست محاضرة يتحدث فيها المعلم طوال الوقت بينما يكتفي الطلبة بالاستماع وتدوين الملاحظات. المطلوب أن تتحول إلى مساحة للتفكير والنقاش وطرح الأسئلة وحل المشكلات وتطبيق المعرفة.
فالطالب الذي يسأل ويناقش ويجرب يكون أكثر قدرة على الفهم والاحتفاظ بالمعلومة من الطالب الذي يُطلب منه الحفظ فقط.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الدروس الخصوصية تشكل عبئًا ماليًا ونفسيًا متزايدًا على كثير من الأسر الأردنية، ولا سيما أسر طلبة الثانوية العامة. وبعض الأهالي لا يتجهون إلى التعليم الخاص ترفًا، وإنما خوفًا على مستقبل أبنائهم، أو بحثًا عن شرح إضافي، أو لأن الطالب لم يجد الأسلوب الذي يناسبه داخل المدرسة.
لذلك، فإن معالجة انتشار التعليم الخصوصي لا تكون بالمنع وحده، وإنما بتقديم بديل حكومي مجاني وعالي الجودة يعيد الثقة بالتعليم المدرسي. ومن المقترحات العملية أن تنشئ وزارة التربية والتعليم مكتبة وطنية رقمية متكاملة، تتضمن تسجيلات متعددة لكل درس من دروس المنهاج، ولا سيما مواد الثانوية العامة، يقدمها معلمون ومعلمات متميزون من القطاعين العام والخاص.
والمقصود بالتسجيلات المتعددة ألا يُقدَّم الدرس بطريقة واحدة فقط، فالطلبة يختلفون في أساليب تعلمهم. قد يفهم أحدهم من الشرح المباشر، ويحتاج آخر إلى الرسوم والمخططات، بينما يتعلم ثالث من الأمثلة المحلولة أو التجارب والتطبيقات. وعندما يتاح للطالب أكثر من شرح للموضوع نفسه، يستطيع اختيار المعلم والأسلوب والسرعة التي تناسبه، وإعادة الجزء الصعب أكثر من مرة، بدلًا من الاضطرار مباشرة إلى اللجوء إلى الدروس المدفوعة.
وينبغي ألا تكون التسجيلات مجرد تصوير تقليدي لحصة صفية طويلة، بل مواد تعليمية منتجة بعناية، تجمع بين الشرح الواضح والوسائل البصرية والخرائط الذهنية والرسوم التوضيحية والتجارب والمحاكاة الرقمية والأسئلة التفاعلية. ويمكن تقسيم الدرس إلى مقاطع قصيرة، يتبع كل مقطع منها تدريب أو سؤال سريع يساعد الطالب على التأكد من فهمه.
ومن المفيد كذلك إعداد «بطاقات تعليمية وطنية» لمباحث الثانوية العامة، تكون مرتبطة بكل وحدة وموضوع، وتتضمن المفاهيم الأساسية، والنقاط التي يكثر الخطأ فيها، وخطوات حل المسائل، والأسئلة التدريبية المتدرجة، ونماذج من أسئلة السنوات السابقة، مع إجابات تفسيرية لا تكتفي بعرض الحل النهائي. ويمكن توفير هذه البطاقات إلكترونيًا وورقيًا لضمان استفادة الطلبة الذين قد لا تتوافر لديهم أجهزة أو خدمة إنترنت مستقرة.
كما يمكن تخصيص حصص أسبوعية داخل المدارس للمناقشة والإجابة عن الأسئلة ومعالجة مواطن الضعف، بدلًا من استهلاك الوقت كله في التلقين وإنهاء المقرر. ويمكن دعم ذلك بساعات تقوية مجانية أو منخفضة التكلفة داخل المدرسة، يقدمها المعلمون ضمن إطار منظم وعادل، مع توفير حوافز مناسبة لهم. وبهذا يعود جهد المعلم وخبرته إلى المدرسة، وتصبح المدرسة هي المكان الأول للتعلم والمراجعة والدعم، لا مجرد محطة تسبق الدرس الخصوصي.
ولا يعني إنشاء منصة رقمية وطنية الاستغناء عن المعلم أو التقليل من دوره؛ بل على العكس، فهي تمنحه أدوات أفضل، وتخفف عنه تكرار الشرح الأساسي، وتتيح له توظيف وقت الحصة في الحوار والتطبيق ومتابعة الطلبة المتعثرين. كما تساعد الوزارة على توحيد الحد الأدنى من جودة الشرح، وتوفير فرص تعليم أكثر عدالة للطلبة في المدن والقرى والمناطق البعيدة.
وهناك تجارب دولية يمكن الاستفادة منها. ففي بريطانيا توفر أكاديمية Oak الوطنية موارد ودروسًا رقمية مجانية وعالية الجودة، يستطيع المعلمون والطلبة استخدامها وتكييفها. وفي سنغافورة تتيح وزارة التعليم منصة Student Learning Space لجميع الطلبة والمعلمين، وتضم موارد مرتبطة بالمناهج وتدعم التعلم الذاتي والتعاوني وتراعي احتياجات المتعلمين المختلفة. والدرس الأهم من هذه التجارب هو أن المحتوى الرقمي لا يحل محل المدرسة، وإنما يقويها ويوسع قدرتها على الوصول إلى كل طالب.
ومن الضروري أن تخضع المواد المسجلة والبطاقات التعليمية لمراجعة لجان متخصصة لضمان دقتها العلمية وتوافقها مع المنهاج، وأن تُحدّث بصورة دورية وفق ملاحظات الطلبة والمعلمين ونتائج الامتحانات. كما يجب قياس أثرها من خلال مؤشرات واضحة، مثل نسب الاستخدام، ورضا الطلبة، وتحسن التحصيل، وانخفاض اعتماد الأسر على الدروس الخصوصية.
إن الحد من التجارة غير المنضبطة في التعليم الخصوصي لا يتحقق بالشعارات، بل بإعادة بناء الثقة في المدرسة، وتمكين المعلم، وتحسين الحصة الصفية، وتوفير شرح مجاني عالي الجودة لكل طالب. فإذا وجد الطالب داخل مدرسته وعلى منصة الوزارة معلمًا متميزًا، وشرحًا يناسبه، ووسائل تعليمية واضحة، وبطاقات تدريبية وأسئلة تفاعلية، فلن تكون الدروس الخصوصية خياره الأول.
وفي بداية العام الدراسي، نرجو لأبنائنا عامًا آمنًا ومثمرًا، وندعوهم إلى الاجتهاد والسؤال وعدم الخوف من الخطأ. كما ندعو المعلمين إلى احتضان طلبتهم تربويًا، والأهالي إلى التعاون مع المدرسة، ووزارة التربية والتعليم إلى قيادة مشروع وطني يجعل التعليم النوعي متاحًا للجميع، ويحفظ للأسرة دخلها، وللمعلم مكانته، وللمدرسة دورها، وللطالب حقه في تعلم عادل ومتميز.
فالاستثمار الحقيقي في التعليم يبدأ حين نضمن أن جودة تعلم الطالب لا تعتمد على قدرة أسرته على دفع ثمن درس خصوصي، بل على حقه في مدرسة قوية، ومعلم متمكن، ومحتوى تعليمي متاح للجميع.