السفير جمعة العبادي : اجتماع عمان .. تحرك عربي إسلامي والوصاية الهاشمية ركيزة حماية القدس الشريف
في الوقت الذي تتواصل فيه الانتهاكات الإسرائيلية في القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة ، انعقد في عمان اجتماع اللجنة الوزارية العربية المكلفة بالتحرك الدولي لمواجهة السياسات والإجراءات الإسرائيلية غير القانونية في القدس المحتلة، بمشاركة وزراء خارجية الدول العربية الأعضاء في اللجنة، وانضم إليهم وزراء خارجية وممثلو عدد من الدول الإسلامية ، تركيا ،اندونيسيا ، باكستان وماليزيا، في رسالة سياسية ودبلوماسية واضحة تؤكد وحدة الموقف العربي والإسلامي، ورفض جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير هوية القدس وطابعها التاريخي والقانوني والديموغرافي.
وجاء الاجتماع في مرحلة دقيقة تشهد تصعيداً خطيراً في سياسات حكومة الاحتلال، التي تمضي في تنفيذ برامجها الاستيطانية والتوسعية، مستندة إلى دعم قوى اليمين المتطرف داخل الحكومة الإسرائيلية، في محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض، تقوض فرص السلام، وتنتهك بصورة فاضحة قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
ولم تعد الاعتداءات التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون بحق المواطنين الفلسطينيين مجرد أعمال فردية، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة ، تجري تحت حماية قوات الاحتلال، وبتحريض ودعم من وزراء متطرفين في الحكومة الإسرائيلية، حيث تتكرر الاعتداءات على القرى والبلدات الفلسطينية، وإحراق المنازل والمزارع، والاعتداء على دور العبادة، وتجريف الأراضي، واقتلاع الأشجار، والاستيلاء على الممتلكات الخاصة، في إطار سياسة ترمي إلى إرهاب السكان الفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل القسري عن أراضيهم.
وكذلك الأمر في القدس المحتلة، حيث تتواصل الاقتحامات الاستفزازية للمسجد الأقصى المبارك، والاعتداءات على المصلين، والتضييق على دائرة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى المبارك، إلى جانب محاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، واستهداف المقدسات الإسلامية والمسيحية، بما يشكل انتهاكاً صارخاً للوضع التاريخي والقانوني القائم، وللقانون الدولي الإنساني، ولقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
ولا يخفى بأن حكومة الاحتلال تسعى إلى استغلال الظروف الإقليمية والدولية الراهنة، وانشغال المجتمع الدولي بملفات أخرى، في مقدمتها تداعيات المواجهة الأمريكية الإيرانية، وما يرتبط بها من تحديات تمس أمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز، واستمرار الاعتداءات الوحشية على قطاع غزه ، إضافة إلى التطورات الأمنية والسياسية على الساحة اللبنانية، لتسريع تنفيذ مشاريعها الاستيطانية، وتوسيع سياسة الضم الفعلي، وتهجير الفلسطينيين، وفرض المزيد من الإجراءات الهادفة إلى تهويد القدس، وتغيير هويتها العربية والإسلامية والمسيحية، في محاولة لفرض أمر واقع جديد ، قبل أن يستعيد المجتمع الدولي اهتمامه الكامل بالقضية الفلسطينية.
إلا أن هذه المحاولات ستظل فاقدة لأي شرعية قانونية، لأن القدس الشرقية أرض فلسطينية محتلة وفق أحكام القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وجميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير وضعها القانوني أو الديموغرافي أو الحضاري تعد باطلة ولاغية ولا يترتب عليها أي أثر قانوني.
ومن هنا، اكتسب اجتماع اللجنة الوزارية العربية، بمشاركة الدول الإسلامية ، أهمية خاصة، إذ أكد مجدداً وحدة الموقف العربي والإسلامي، ورفض جميع الإجراءات الإسرائيلية الأحادية، وضرورة تكثيف التحرك السياسي والدبلوماسي والقانوني ، في مختلف المحافل الدولية، لإلزام إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، الانصياع للقانون الدولي، ووقف اعتداءاتها على الشعب الفلسطيني ومقدساته.
كما تضمن البيان الصادر عن الاجتماع مبادرة بالغة الأهمية، تمثلت في الدعوة إلى إيجاد آلية إعلامية عالمية فعالة تتولى كشف وفضح الانتهاكات الإسرائيلية في القدس المحتلة وسائر الأراضي الفلسطينية، وتوثيق الاعتداءات التي يرتكبها الاحتلال والمستوطنون بحق المدنيين الفلسطينيين، وإبراز ما تتعرض له المقدسات الإسلامية والمسيحية من انتهاكات ممنهجة، بما يسهم في نقل الحقيقة إلى الرأي العام العالمي، ومواجهة حملات التضليل الإعلامي التي تحاول تزييف الوقائع أو تبرير سياسات الاحتلال.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن معركة الدفاع عن القدس لم تعد تقتصر على المسار السياسي والدبلوماسي، بل أصبحت أيضاً معركة إعلامية وقانونية وأخلاقية، تتطلب خطاباً عربياً وإسلامياً موحداً، يعتمد الحقائق الموثقة وأحكام القانون الدولي، ويخاطب الرأي العام العالمي بلغاته المختلفة، بما يعزز التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني ويحد من محاولات شرعنة الاحتلال.
كما أكد الاجتماع مجدداً على الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، باعتبارها الركيزة الأساسية في حماية المقدسات، وصون الوضع التاريخي والقانوني القائم، والحفاظ على الهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة المقدسة.
فالوصاية الهاشمية ليست مجرد مسؤولية تاريخية، بل هي التزام سياسي وديني وقانوني متواصل، يستند إلى شرعية تاريخية راسخة، وإلى الاعتراف الفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي بالدور الذي يضطلع به الأردن في رعاية المقدسات والدفاع عنها. وقد حمل الهاشميون هذه الأمانة منذ عهد الشريف الحسين بن علي ، واستمرت في عهد الملوك الهاشميين، وصولاً إلى جلالة الملك عبدالله الثاني ، الذي يقود جهوداً سياسية ودبلوماسية وقانونية متواصلة للدفاع عن القدس، وحماية مقدساتها الإسلامية والمسيحية، وصون حقوق الشعب الفلسطيني.
كما أثبتت الدبلوماسية الأردنية، بقيادة جلالة الملك، ومن خلال تحركها النشط ،قدرتها على توحيد الموقف العربي والإسلامي، وحشد التأييد الدولي، وإبقاء قضية القدس حاضرة على أجندة المجتمع الدولي، رغم الأزمات الإقليمية والدولية.
إن استمرار عجز المجتمع الدولي عن تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، والاكتفاء ببيانات الإدانة، يشجع حكومة الاحتلال على المضي في سياساتها الاستيطانية والتهجيرية، ويقوض فرص تحقيق السلام العادل والشامل القائم على حل الدولتين. ومن هنا، فإن التحرك العربي والإسلامي المشترك لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية لحماية القدس، وصون مقدساتها، والحفاظ على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وقد أكد معالي وزير الخارجية وشؤون المغتربين بشكل لا لبس فيه بأن "القدس عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة وأن الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية هي وصاية هاشميه ، إلا أن حماية القدس والمقدسات مسؤولية فلسطينية واردنية وعربية وإسلامية ودولية ، وإن العبث بالقدس ومقدساتها لعب
بالنار ، يدفع باتجاه الكارثة "
لقد بعث اجتماع اللجنة الوزارية العربية، بمشاركة الدول الإسلامية الشقيقة، برسالة واضحة مفادها أن القضية الفلسطينيه ، ودره تاجها القدس ، ستبقى القضية المركزية للأمتين العربية والإسلامية، وأن حماية مقدساتها مسؤولية جماعية، وأن الوصاية الهاشمية ستظل صمام الأمان للمقدسات الإسلامية والمسيحية فيها ، وعنواناً للشرعية التاريخية، وركيزة أساسية في حماية المدينة المقدسة، حتى ينال الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، وتقوم دولته المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من حزيران لعام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، بما يحقق السلام العادل والشامل الذي تنشده شعوب المنطقة، ويعيد للقانون الدولي هيبته، وللعدالة مكانتها، وللقدس مكانتها التي تستحقها في ضمير الإنسانية .