د. يوسف منصور : دروس من ملياردير أردني
كتبت قبل عقدين من الزمن عن سميح طوقان وسامي خوري وإنجازاتهما من خلال شركتي "مكتوب"و"سوق دوت كوم"، اللتين بيعتا بمئات ملايين الدولارات، لا لتمجيد هذين الشابين، بل للوقوف على الدروس المستقاة من نهجهما وعملهما. واليوم أود أن أقدم بعض الدروس المستقاة من مسيرة أمجد مسعد، مؤسس شركة ريبليت (Replit) التي تُقدَّر قيمتها بنحو 9 مليارات دولار، ويُعد من أبرز رواد الأعمال العالميين والشخصيات المؤثرة عالمياً في قطاع الذكاء الاصطناعي والبرمجيات. وحصل أمجد في عام 2026 على وسام الملك عبد الله الثاني للتميز تقديراً لإنجازاته.
من هو أمجد مسعد؟
ولد أمجد فوزي مسعد في الأردن عام 1993، وهو ابن المهندس المدني فوزي مساعدة، نقيب المهندسين الأردنيين السابق. وبدا واضحاً منذ الصغر شغف أمجد بالبرمجة. درس في جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة، حيث التحق بجامعة واترلو لفترة، لكنه لم يكمل دراسته الجامعية، واختار التفرغ لبناء شركته الناشئة.
كيف بدأت القصة؟
كانت الفكرة بسيطة، ولكنها طموحة، تبدأ بسؤال لا أعتقد أنه بسيط، بل كبير جداً ومعقد، وهو: لماذا تبقى البرمجة حكراً على المبرمجين المحترفين؟
لاحظ أمجد أن إعداد بيئة البرمجة وتشغيل الأكواد يمثلان عقبة أمام كثير من المبتدئين. لذا، قرر مع شريكيه هيا عودة (مهندسة برمجيات أردنية ومؤسس رئيسي، وهي أيضاً زوجة أمجد مسعد)، وفارس مسعد (شقيق أمجد، ومن المؤسسين الأوائل للشركة أيضاً)، إنشاء منصة تسمح لأي شخص بكتابة البرامج وتشغيلها مباشرة من المتصفح، دون الحاجة إلى تثبيت برامج معقدة.
وهكذا وُلدت شركة ريبليت كمنصة تستهدف الطلاب والمبرمجين في البداية، وتطورت لاحقاً إلى منصة متكاملة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بحيث يستطيع المستخدم وصف التطبيق الذي يريده باللغة الطبيعية، بينما يتولى الذكاء الاصطناعي كتابة جزء كبير من الشيفرة البرمجية.
كيف تحولت ريبليت من شركة صغيرة إلى شركة عالمية تُقيَّم بـ 9 مليارات دولار؟ وقد تصل قيمتها، إذا طُرحت للاكتتاب بحسب بعض التقديرات، إلى 20 مليار دولار، لتصبح ثروته ما يقارب 4 مليارات دولار، وأكثر من ذلك عند احتساب ملكية زوجته. للإجابة يمكن تقسيم رحلته إلى خمس مراحل رئيسية:
1- الشغف المبكر:
لم يبدأ بدافع تأسيس شركة، أو لأنه لا يجد فرصة للعمل، بل بدافع حب البرمجة وحل المشكلات. الدرس هنا أن الشركات الكبرى تبدأ غالباً من شغف حقيقي، وليس من البحث عن الثراء السريع.
2- اختيار مشكلة عالمية:
لم يختر مشكلة محلية أو محدودة، بل اختار مشكلة يواجهها ملايين المبرمجين حول العالم (صعوبة تعلم البرمجة، وتعقيد بيئات التطوير، والحاجة إلى التعاون عبر الإنترنت). الدرس هنا: كلما كانت المشكلة عالمية، كان السوق أكبر.
3- الاستمرار في التطوير:
لم تبقَ ريبليت مجرد محرر أكواد، بل تطورت باستمرار من خلال العمل السحابي، والتعاون بين الفرق، والذكاء الاصطناعي، وتحويل الأفكار إلى تطبيقات. الدرس المستقى هو أن النجاح لا يأتي من الفكرة وحدها، بل من تطويرها المستمر. وكما قال الاقتصادي وعراب التنافسية في العالم مايكل بورتر، يجب أن تعمل 24 ساعة في اليوم لكي تبقى موجوداً في السوق، وإلا ستغلق الأبواب.
4- الاستفادة من موجة الذكاء الاصطناعي:
فمع ظهور النماذج اللغوية الكبيرة، لم يعتبر ذلك تهديداً، بل فرصة نجاح، حيث تحولت الشركة إلى واحدة من أوائل المنصات التي تسمح ببناء التطبيقات باستخدام اللغة الطبيعية. والدرس هنا: عندما تتغير التكنولوجيا، لا تدافع عن النموذج القديم، بل أعد ابتكار نفسك.
5- التفكير العالمي منذ البداية:
فالسوق الأردني لم يكن هو الهدف، بل كان المنتج موجهاً منذ اليوم الأول للعالم. ويستخدم البرنامج اليوم ملايين المطورين والطلاب في عشرات الدول. الدرس هنا أن الإنترنت فتح للمبدعين العالم بأجمعه، لذا لا تحصر نفسك وحلمك في حدود جغرافية صغيرة.
يمكن تلخيص القصة فيما يلي:
المهارة أهم من الشهادة وحدها، فلقد تعلم أمجد البرمجة مبكراً، واختار مشكلة حقيقية لتكون حجر الأساس في تأسيس ريبليت، وبنى المنتج قبل البحث عن التمويل، ثم جذب المستثمرين، وتكيف مع التكنولوجيا الجديدة في التحول إلى الذكاء الاصطناعي، كما أن التفكير كان عالمياً منذ البداية للوصول إلى تقييم بمليارات الدولارات.
أعتقد أن مسيرة أمجد مسعد مع شركة ريبليت تقدم خمس رسائل مهمة لصانعي السياسات أيضاً، وليس فقط لرواد الأعمال، وهي:
أولاً، إن رأس المال البشري أهم من الموارد الطبيعية، فنجاحه لم يعتمد على النفط أو المعادن، بل على المعرفة والبرمجيات والبيئة المؤسسية.
ثانياً، يجب أن تكون الجامعات منصات للابتكار، فدور الجامعة لا يقتصر على منح الشهادات، بل على تخريج مؤسسين لشركات عالمية. فدور الحاضنات في الجامعات أساسي، وطرق التعليم التي تواكب العصر بفرصه وتحدياته شرط حيوي وضروري لخلق المجتمع الريادي.
ثالثاً، يتيح الاقتصاد الرقمي للشركات الأردنية الوصول إلى الأسواق العالمية دون المعيقات الجيوسياسية التي تواجهها صناعات البضائع واقتصاديات الحجم (الكم)، فشركة برمجيات صغيرة يمكن أن تخدم ملايين المستخدمين دون الحاجة إلى مصانع ضخمة أو أسواق محلية كبيرة.
رابعاً، إن الاستثمار الحكومي في الذكاء الاصطناعي ضرورة، فالتقنيات الجديدة ليست تهديداً، بل فرصة لبناء شركات ذات قيمة مضافة عالية.
خامساً، إن التفكير العالمي مهم منذ البداية، فكثير من الشركات الناشئة تبدأ بالسؤال: "كيف أبيع في الأردن؟"، أما أمجد مسعد فبدأ عملياً بالسؤال: "كيف أبني منتجاً يحتاجه العالم كله؟"، وهذا أحد أهم أسباب نجاحه.
الدرس الاقتصادي الأهم:
لا تكمن أهمية قصة أمجد مسعد (من منظور اقتصادي محض) في أن شركته وصلت إلى تقييم مرتفع، بل في أنها تجسد القدرات الكامنة في اقتصاد المعرفة، حيث تُخلق القيمة من الأفكار والبرمجيات والابتكار أكثر مما تُخلق من الأصول المادية. وهي رسالة مهمة للأردن، فالاستثمار في التعليم، والمهارات الرقمية، والبحث والتطوير، وريادة الأعمال، كلها عوامل يمكن أن تولد شركات عالمية تنبع وتزدهر حتى في دولة تعاني من شح الموارد الطبيعية.
ــ الراي