م. بسام ابو النصر : عندما هاتفني نيل أرمسترونغ ليكشف حقيقة إسلامه
في صيف عام 2006، وخلال مشاركتي في دورة متخصصة عُقدت في قاعدة مونتغمري بولاية ألاباما في الولايات المتحدة الأمريكية، جمعتنا قاعة واحدة ضباط من دول مختلفة، وكانت النقاشات تدور حول قضايا الفكر والعلم والتاريخ ودور الحضارات في صناعة التقدم الإنساني.
في إحدى الجلسات، تطرق الحديث الى دور الحضارة الاسلامية في التقدم العلمي والتكنولوجي، وإلى أثر التفاعل بين الحضارات في بناء المعرفة الإنسانية. وبوصفي الضابط العربي الوحيد في القاعة، رأيت في ذلك فرصة للتعريف بإرث الحضارة العربية الإسلامية وإسهام العلماء المسلمين في نهضة العالم خلال العصور الوسطى، فاستشهدت بعدد من الأمثلة التاريخية، ثم رويت قصة كنت أؤمن بصحتها آنذاك، وهي أن رائد الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونغ، وبعد زيارة إلى القاهرة بدعوة من العالم المصري الدكتور فاروق الباز، استمع إلى صوت الأذان، وأنه أخبر بأنه كان قد سمع الصوت نفسه أثناء مهمة "أبولو 11" عام 1969، وأن ذلك كان سببًا في إسلامه.
كانت هذه الرواية قد انتشرت على نطاق واسع في العالم العربي، وتداولها الناس في المجالس والمنتديات، بل وردت في بعض المحاضرات والبرامج الإعلامية والمقالات، حتى أصبحت بالنسبة إلى جيلي من المسلمات التي لا تحتاج إلى دليل. لذلك لم أتردد في روايتها أمام الحضور، وقد لاقت في البداية اهتمامًا وإعجابًا.
إلا أن أحد الضباط الأمريكيين، وهو رائد يعمل محاضرًاأكاديميًا في الكلية التي تستضيف الدورة، لم يقتنع بالرواية، وسألني عن مصدرها الأكاديمي. عندها أدركت أنني لا أملك توثيقًا علميًا يمكن الاستناد إليه، وكل ما أملكه هو شيوع القصة وانتشارها.
بعد انتهاء المحاضرة وخلال فترة الاستراحة، فوجئت بذلك الضابط يدعوني بالطريقة العسكرية، قائلاً: "السيد نيل أرمسترونغ على الهاتف ويريد التحدث إليك." كان قد اتصل به مباشرة في مكتبه بجامعة سينسيناتي، حيث كان يعمل محاضرًا بعد تقاعده من وكالة ناسا.
تناولت سماعة الهاتف وأنا في غاية الدهشة، وقدمت نفسي، فطلب مني السيد أرمسترونغ أن أعيد عليه الرواية كما ذكرتها. وبعد أن أنهيت حديثي، قال لي بكل هدوء واحترام إنه سمع بهذه القصة مرارًا، وإن وسائل إعلام عديدة سألته عنها، لكنها مختلقة تمامًا، ولا يعرف كيف بدأت أو كيف انتشرت. فسألته مباشرة: "هل صحيح أنك اعتنقت الإسلام؟" فأجاب: "مع كامل احترامي لهذا الدين ولكل المسلمين، فإنني لم أعتنق الإسلام."
شعرت آنذاك بحرج وخجل شديدين، واعتذرت له عن نقل هذه الرواية، ثم قلت له إنني سأحرص على تصحيحها. ولأنني أردت أيضًا أن أحافظ على مصداقيتي أمام زملائي في الدورة، أخبرته أنني في اليوم التالي سأكمل الحديث بطريقة توضح الحقيقة، ولكن دون أن أقدم اعتذارًا شخصيًا مباشرًا أمام الجميع، بل سأجعل القصة نفسها مثالًا على كيفية صناعة الإشاعة وانتشارها.
وفي اليوم التالي، وخلال إحدى المحاضرات التي تناولت الإعلام وتأثيره في تشكيل الرأي العام، طلبت الحديث، وتطرقت إلى مفهوم الإشاعة، وكيف يمكن لرواية غير موثقة أن تنتشر حتى تتحول في أذهان الناس إلى حقيقة لا يشكون فيها. ثم قلت للحضور إن أفضل مثال على ذلك هو القصة التي رويتها لهم في اليوم السابق عن إسلام نيل أرمسترونغ، موضحًا أنها مثال حي على إشاعة صدقها الملايين لأنها تكررت كثيرًا، دون أن تستند إلى دليل.
وبذلك أوصلت الرسالة التي وعدت السيد أرمسترونغ بإيصالها، وصححت المعلومة بطريقة موضوعية، وحولت الموقف من إحراج شخصي إلى درس عملي في أهمية التحقق من الأخبار قبل تداولها.
ولسنوات طويلة بقيت هذه الحادثة من أكثر المواقف تأثيرًا في حياتي، لأنها علمتني أن حسن النية والمصداقية لا يغنيان عن الدليل، وأن انتشار الخبر لا يجعله صحيحًا دون التثبت من صحته، وأن مسؤولية من ينقل المعلومة لا تقل أهمية عن مسؤولية من يصنعها.
ومن اللافت أن هذه القصة نفسها أصبحت لاحقًا تُستخدم مثالًا على قوة الإشاعة في الإعلام؛ فقد تناولها الصديق الدكتور صالح زيود في سياق الحديث عن الإشاعة في الإعلام وآليات الحد منها، لطلبته في كلية الإعلام بجامعة ال البيت، كما رواها الإعلامي المعروف حسام غرايبة في برنامجه الصباحي عبر إذاعة حسنى، مستشهدًا بها بوصفها نموذجًا واضحًا على الكيفية التي تستطيع بها الإشاعة أن تطغى على الحقيقة، وأن تصنع واقعًا وهميًا يتناقله الناس سنوات طويلة رغم افتقاره إلى أي دليل موثق.
لقد أدركت منذ ذلك اليوم أن الحقيقة لا يحميها انتشارها، وإنما يحميها الدليل، وأن الإشاعة كلما لامست العاطفة أو انسجمت مع ما يرغب الناس في تصديقه، ازدادت قوة وانتشارًا. ولذلك أصبحت أكثر حرصًا على التحقق من كل معلومة قبل نقلها، لأن احترام الحقيقة هو في النهاية احترام للعقل، وللناس، وللتاريخ.