اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

القس سامر عازر : مهرجان جرش وهرمون السعادة "الإندورفين"

القس سامر عازر : مهرجان جرش وهرمون السعادة الإندورفين
أخبارنا :  

(الثقافة تصنع الوعي، والفن الراقي يسمو بالذائقة، والفرح قيمة إنسانية)


خلق الله الإنسان ميّالًا إلى الفرح، وجعل في تكوينه الجسدي والنفسي والروحي ما يعينه على مواجهة ضغوط الحياة ومشقاتها. ومن جميل ما كشفه العلم أن أجسامنا تفرز هرمونات ترتبط بالشعور بالسعادة، وكأن الخالق أودع في داخل الإنسان وسائل متجددة تعيد إليه توازنه كلما أثقلته هموم الحياة.


ويتحدث المختصون عن أربعة من أبرز هرمونات السعادة. فالرياضة والتأمل والخروج إلى الطبيعة تعزز إفراز السيروتونين، والضحك ودفء العلاقات الإنسانية واحتضان من نحب يحفزان إفراز الأوكسيتوسين، والنوم الكافي والشعور بالإنجاز يرتبطان بإفراز الدوبامين، أما الغناء والموسيقى والرقص والتفاعل مع الفنون فتسهم في إطلاق الإندورفين، ذلك الهرمون الذي يخفف التوتر ويمنح الإنسان شعورًا بالبهجة والانطلاق.


إن السعادة ليست ترفًا، بل حاجة إنسانية، والفرح ليس نقيضًا للمسؤولية، بل أحد مقومات الحياة السليمة. لذلك نتمنى دائمًا أن يدخل الفرح بيوت الناس، وأن تظل قلوبهم عامرةً بالأمل رغم ما يحيط بهم من تحديات وأزمات. وقد عرف الإنسان منذ القدم أن الموسيقى والشعر والغناء والفنون ليست مجرد وسائل للترفيه، بل لغة راقية ترتقي بالروح، وتجمع البشر على المشترك الإنساني.


وفي مجتمعاتنا العربية، يزخر تراثنا بالأهازيج والدبكات والأغاني الشعبية التي صاحبت الأفراح والمناسبات الوطنية والاجتماعية، لأن الفرح جزء أصيل من ثقافتنا، ولا يتعارض مع قيمنا الأخلاقية أو هويتنا الحضارية ما دام يلتزم الذوق الرفيع ويحترم خصوصية المجتمع.


ومن هنا يبرز مهرجان جرش للثقافة والفنون، الذي انطلق عام 1986، بوصفه واحدًا من أهم المشاريع الثقافية والفنية الأردنية، حتى أصبح علامةً مضيئة في مدينة جرش الأثرية، وموعدًا سنويًا ينتظره الأردنيون وضيوف المملكة من دول عدة. وعلى امتداد أربعة عقود، استطاع المهرجان أن يقدم صورة مشرقة للأردن، وأن يجعل من الفن والثقافة رسالةً للحوار والانفتاح، ومن جرش مسرحًا تلتقي عليه الحضارات والثقافات.


ويأتي المهرجان هذا العام في دورته الأربعين تحت شعار "إرثٌ يمتد.. وأجيالٌ تلتقي" ، وهو شعار يحمل دلالات عميقة، فالإرث الحقيقي لا يُحفظ في الكتب والمتاحف وحدها، بل يعيش عندما تتناقله الأجيال، وتضيف إليه من إبداعها وخبراتها. وهكذا تتحول جرش، بتاريخها العريق وحاضرها النابض، إلى مساحة يلتقي فيها الماضي بالمستقبل، ويجلس فيها الكبار والشباب على مقاعد واحدة، يتشاركون الكلمة واللحن والمسرح والشعر، في مشهد يؤكد أن الثقافة هي الجسر الأمتن بين الأجيال.


ولعل أجمل ما يقدمه مهرجان جرش أنه يمنح الناس فرصةً لاستعادة شيء من البهجة التي يحتاجونها في زمن تتزاحم فيه الأزمات والضغوط. فحين يجتمع الفن الراقي مع عراقة المكان، وتتعانق الموسيقى مع التاريخ، يلامس الإنسان ذلك الشعور العميق بالراحة والفرح، وكأن هرمون الإندورفين لا يفرز في أجساد الحاضرين فحسب، بل في روح الوطن أيضًا، ليؤكد أن أهمية الثقافة للإنسان، وأهمية الجمال كأمر لا يمكن الاستغناء عنه.


ولم يعد مهرجان جرش مجرد مناسبة فنية أو ثقافية، بل أصبح ركيزة وطنية يمكن أن تتطور إلى محرك اقتصادي رئيس لمدينة جرش في السنوات المقبلة. فتنشيط الحركة السياحية ينعكس على الفنادق والمطاعم والأسواق والحرف التقليدية ووسائل النقل، ويوفر فرص عمل للشباب، ويشجع الاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية، لتصبح الثقافة شريكًا حقيقيًا في التنمية الاقتصادية، كما هي شريك في بناء الوعي والإنسان.


كما يقدم المهرجان للعالم صورة الأردن المستقر والمنفتح، الذي يؤمن بأن الثقافة والفنون لغة عالمية للتواصل بين الشعوب، وأن الحضارة ليست مجرد آثار صامتة، بل إنسان قادر على الإبداع والعطاء وصناعة المستقبل.


وصحيح أنه لا يوجد عمل بشري يخلو من الملاحظات أو أوجه القصور، وأن أي مهرجان يحتاج إلى مراجعة مستمرة وتطوير دائم، إلا أن ذلك لا يقلل من قيمة هذا الإنجاز الوطني الذي راكم خبرته على مدى أربعين عامًا، وأصبح أحد أبرز العناوين الثقافية للأردن في المنطقة العربية.


إن مهرجان جرش، في دورته الأربعين، ليس مجرد احتفال سنوي، بل قصة نجاح أردنية تستحق الاعتزاز. إنه رسالة تؤكد أن الأردن، بقيادته ورؤيته وإرادة أبنائه، ما زال يستثمر في الإنسان كما يستثمر في المكان، ويؤمن بأن الثقافة تصنع الوعي، والفن الراقي يسمو بالذائقة، والفرح قيمة إنسانية تستحق أن تُصان.


وما أجمل أن يبقى «إرثٌ يمتد.. وأجيالٌ تلتقي»، لتظل جرش منارةً للثقافة، وواحةً للجمال، وفضاءً يزرع في القلوب شيئًا من السعادة التي يحتاجها كل إنسان.


مواضيع قد تهمك