اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. صبري الدباس : '' الريادة والإبتكار '' .. هل أصبح الأردن أمام خيار اقتصادي لا يحتمل التأجيل؟

د. صبري الدباس :  الريادة والإبتكار  .. هل أصبح الأردن أمام خيار اقتصادي لا يحتمل التأجيل؟
أخبارنا :  

لم تعد الريادة والابتكار مجرد مصطلحات تتردد في المؤتمرات الاقتصادية أو الخطط الحكومية ، بل أصبحتا اليوم معياراً حقيقياً لقدرة الدول على بناء اقتصاد قادر على المنافسة ، واستيعاب المتغيرات ، وصناعة فرص العمل بعيداً عن النمط التقليدي القائم على التوظيف الحكومي أو انتظار الاستثمارات الكبرى.


وفي الأردن ، حيث تتزايد التحديات الاقتصادية وتتسع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل ، تبرز المشاريع الريادية الصغيرة باعتبارها أحد أهم الخيارات الاستراتيجية لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني ، وتحويل الشباب من باحثين عن وظيفة إلى صانعي فرص ومنتجين للقيمة المضافة.


لقد أثبتت التجارب الدولية أن الاقتصادات الأكثر مرونة ليست تلك التي تمتلك أكبر الشركات ، وإنما تلك التي تنجح في بناء منظومة متكاملة تدعم الشركات الصغيرة والناشئة ، لأنها الأكثر قدرة على الابتكار ، والأسرع في الاستجابة للتغيرات ، والأقرب إلى احتياجات المجتمع.


فالمشاريع الريادية لا تُقاس برأس مالها عند التأسيس ، وإنما بما تمتلكه من أفكار قابلة للنمو والتوسع والاستدامة.


غير أن نجاح الريادة لا يبدأ من توفير التمويل فقط ، كما يعتقد البعض ، بل يبدأ من بناء ثقافة مجتمعية تؤمن بأن الفشل في المشروع ليس نهاية الطريق ، وإنما تجربة تُنتج معرفة جديدة.


فالمجتمعات الريادية هي تلك التي تكافئ المبادرة ، وتحتضن الأفكار ، وتوفر البيئة التشريعية والإدارية التي تسمح للمبدعين بالانطلاق دون تعقيدات غير مبررة.


ومن منظور إدارة الأعمال ، فإن المشروع الريادي الصغير لا يختلف في جوهره عن كبرى الشركات العالمية ؛ فكلاهما يحتاج إلى رؤية واضحة ، ورسالة محددة ، وأهداف قابلة للقياس ، وإدارة مالية رشيدة ، وخطة تسويقية مبتكرة ، وإدارة فعالة للمخاطر ، وآليات دقيقة لقياس الأداء.

والفرق الحقيقي يكمن في كفاءة الإدارة ، وليس في حجم رأس المال.


إن التحول الرقمي الذي يشهده العالم اليوم أوجد فرصاً غير مسبوقة أمام رواد الأعمال الأردنيين.

فالتجارة الإلكترونية ، والذكاء الاصطناعي ، والتطبيقات الذكية ، والخدمات الرقمية ، لم تعد حكراً على الشركات العملاقة ، بل أصبحت أدوات متاحة لكل صاحب فكرة يمتلك المعرفة والإرادة والقدرة على التنفيذ.


ومع ذلك ، فإن بناء منظومة ريادية وطنية يتطلب شراكة حقيقية بين الجامعات، والقطاع الخاص ، والمؤسسات التمويلية ، وصناديق الاستثمار ، والحاضنات ومسرعات الأعمال ، إلى جانب تطوير التشريعات التي تسهّل تأسيس المشاريع وتحفّز الاستثمار فيها.


كما أن المؤسسات التعليمية مطالبة بتخريج شباب يمتلكون عقلية المبادرة والإبتكار ، لا الاكتفاء بتأهيلهم لشغل وظائف تقليدية قد لا تكون متاحة أصلاً.


إن الأردن يمتلك ثروة حقيقية تتمثل في رأس المال البشري ؛ شباب متعلم ، ومبدع ، وقادر على المنافسة إقليمياً وعالمياً.


إلا أن هذه الثروة تحتاج إلى بيئة تحتضنها ، وسياسات تحفزها ، وإدارة تؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة.


إن مستقبل الاقتصاد الأردني لن يُصنع بالاعتماد على الموارد التقليدية وحدها ، وإنما ببناء اقتصاد يقوده الابتكار ، وتدعمه المشاريع الريادية الصغيرة ، وتغذيه المعرفة ، وتديره الكفاءات. وعندما تتحول الريادة إلى ثقافة وطنية ، يصبح كل مشروع ناجح لبنة جديدة في بناء اقتصاد أكثر قوة ، وأكثر مرونة ، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.


إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على حجم التحديات التي تواجه الأردن ، بل على قدرتنا في تحويل هذه التحديات إلى فرص ، وجعل الريادة والابتكار نهجاً وطنياً يقود التنمية ، ويعزز الإنتاجية ، ويمنح الشباب الثقة بأن المستقبل لا يُنتظر ، بل يُصنع بالإبداع والعمل والإدارة الواعية.





مواضيع قد تهمك