اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. خالد الحريرات البطوش : د. خالد الحريرات البطوش

د. خالد الحريرات البطوش : د. خالد الحريرات البطوش
أخبارنا :  

«أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» ، الآية 12 من سورة يوسف .

كانت تلك ذريعة الأخوة لاقناع نبي الله يعقوب بالسماح لاصطحاب اخيهم يوسف في رحلتهم التي دخلت التاريخ بعد ذلك، والفكرة - بعيدا عن اساءة استخدامها في هذه القصة- تبين ليس فقط القبول الاجتماعي للعب منذ القدم وانما الحاجة اليه ايضا، ولطالما كانت الالعاب الرياضية تعبيرا حركيا عن مكنة البنية العضوية في جسم الانسان، فقد عرفت البشرية على مر العصور الاهتمام باللياقة البدنية وتنميتها لاغراض نفعية بدءا من الاعمال المعيشية اليومية وحتى خوض الحروب، وعلى هامش تلك الحاجة وجدت المتعة سبيلها الى اذكاء المنافسة في تسخير القوة واستعراض المهارة في الالعاب كرمز لتحدي الانسان لعجز الجسد وضعف القدرة.

ومع نقاء طبيعتها وبساطة اغراضها نجحت الرياضة في ضبط الاحتكاك البشري وتصريف القوة البدنية في نشاطات تعكس الحاجة الانسانية وتعيد لقاء الجماعات البشرية المتباينة عرقيا وجغرافيا لاختبار المهارة والحصول على المتعة، ومع تراكم التجربة انتظمت منافسات القوة والمهارة في قواعد موحدة تحكم ممارسة الالعاب الرياضية التي تحتضنها، ووصلت بها الى تنظيمات اولمبية واتحادات وطنية ودولية كما نعرفها اليوم.

المفارقة في الرمزية الكثيفة التي يدفق من خلالها الشعور بالقوة في ممارسة الرياضة، انها حين تدفع باللياقة البدنية والمهارات الرياضية الفردية والجماعية للاعبين الى اقصى مدى يمكن ان تصله، تسعى في ذات الوقت الى ضبط إيقاع انفعالات الجمهور وابقائها تحت السيطرة، وعند هذا الافتراق تسعى الرياضة الى ابقاء استخدام القوة داخل الملاعب لتفرغ فيها الولع بها من خارجها، تماما كمن يأتي من النار المشتعلة بقبس يحوزه ويأمن تطاير شرره وبعد ذلك يسخّره لخدمته.

وبالرغم من أهمية الرياضة في المجتمع، هناك من يطلع علينا ويصدّع رؤوسنا برؤيته للرياضة كترف لا يجوز ان يتقدم على قضايا اكثر اهمية كالسياسة والاقتصاد والصحة، وهذه الرؤية القاصرة لا تقف عند الجهل بالدور التربوي للانشطة الرياضية، والعجز عن فهم تكامل الاولويات الوطنية في انتاج بنية اجتماعية متماسكة ومنسجمة، وانما يتعدى هذا القصور في احيان كثيرة الى درجة الوهم بتخريج الرياضة وفق نظرية المؤامرة وتصويرها ككرة من جلد منفوخة بالهواء يقصد من نشرها وضع تفكير الاجيال بين ارجلهم لالهائهم عن عظائم الأمور، وكأن الامم التي تحتفي بفرقها الرياضية وتخصص موازنات ضخمة لتطوير هذا القطاع ليس لديهم خطط للتنمية ولا تحظى شعوبها بالتقدم والازدهار!!.

يبقى الاتصال بين الرياضة والسياسة قائما على نحو لا يمكن فصله، ولكن بساطة الرياضة وفطرية طبيعتها تستعصي على الخضوع المطلق لفعل السياسة، ومن مونديال كاس العالم الحالي لكرة القدم يمكننا الوقوف عند حضور المنتخب الايراني الى الولايات المتحدة بالتزامن مع وجود البلدين في حالة حرب، فهذه المفارقة كافية لتقديم مثال ساطع الوضوح على المساحة التي تتحرر فيها الرياضة من تبعات السياسة وتعقيدات حساباتها، فالمنتخب الايراني يحظى هناك بالحماية التي تكفل ممارسة نشاطه الرياضي بكامل الحرية كباقي الفرق الرياضية، ولو كان المونديال في ايران لحظي المنتخب الاميركي بحماية مماثلة، ولعل هذه المساحة تكشف مقدار النجاح الذي يمكن ان تحققه الرياضة حين تتعثر السياسة، وتبين الكم الهائل من التاثير الذي يمكن ان يخلقه الرياضيون بينما يعجز عن فعله اصحاب القرار السياسي، وهنا تظهر ميزة الرياضة كعامل يجمع الشعوب ويوحد شغفهم مهما تعمقت الخلافات السياسية بين بلدانهم.

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك