اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

أ. د. هاني الضمور : بين الإيرادات وصحة الإنسان… مراجعة ضرورية لأولويات السياسات العامة

أ. د. هاني الضمور : بين الإيرادات وصحة الإنسان… مراجعة ضرورية لأولويات السياسات العامة
أخبارنا :  

تواجه الدول النامية تحديات اقتصادية ومالية متزايدة، تجعل البحث عن مصادر للإيرادات أمرًا مشروعًا، بل وضروريًا لضمان استمرارية الخدمات العامة وتحقيق الاستقرار المالي. غير أن نجاح السياسات الاقتصادية لا يقاس فقط بحجم الإيرادات التي تحققها، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات المالية العامة وحماية الإنسان، باعتباره الثروة الحقيقية لأي وطن.

 

ومن هذا المنطلق، تبرز قضية الضرائب المفروضة على منتجات التبغ بوصفها نموذجًا يستحق المراجعة والتقييم المستمر. فالتبغ يحقق للدولة إيرادات مالية لا يستهان بها، لكنه في المقابل يرتبط بأعباء صحية واقتصادية واجتماعية تتزايد مع مرور الوقت. لذلك، فإن النظر إلى هذه القضية من زاوية الإيرادات وحدها قد لا يعكس الصورة الكاملة.

إن الهدف من فرض الضرائب على التبغ يجب ألا يكون تعظيم الإيرادات فحسب، بل الحد من استهلاك منتج يثبت العلم يومًا بعد يوم حجم الأضرار التي يسببها للأفراد والمجتمع. وعندما تصبح الضرائب أداة للوقاية قبل أن تكون وسيلة للتمويل، فإنها تحقق غايتها الحقيقية في خدمة الصالح العام.

وفي كثير من الدول النامية، قد تفرض الظروف الاقتصادية الاعتماد على هذا النوع من الإيرادات، إلا أن ذلك ينبغي ألا يؤدي إلى تراجع الاهتمام بالهدف الأسمى، وهو تقليل معدلات التدخين وحماية الأجيال القادمة. فكل انخفاض في نسبة المدخنين يمثل نجاحًا صحيًا واجتماعيًا، حتى وإن استدعى التفكير في بدائل مالية أكثر استدامة.

إن الكلفة الحقيقية للتدخين لا تظهر فقط في قيمة السجائر أو حجم الضرائب المحصلة، وإنما في ما يترتب عليه من ارتفاع في نفقات الرعاية الصحية، وتراجع في إنتاجية القوى العاملة، وزيادة في الأمراض المزمنة، وما ينعكس على الأسر والاقتصاد الوطني. ولهذا، فإن تقييم السياسات العامة ينبغي أن يشمل الإيرادات والكلف معًا، لا أن يقتصر على أحدهما.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستدعي تبني رؤية أكثر شمولًا، تقوم على التكامل بين السياسة المالية والسياسة الصحية. فوزارة المالية معنية بالحفاظ على الاستقرار المالي، لكنها ليست وحدها المسؤولة عن تحقيق التنمية. كما أن وزارات الصحة، والتربية، والإعلام، والشباب، والاقتصاد، مطالبة بالعمل ضمن مشروع وطني واحد يجعل الوقاية هدفًا استراتيجيًا، لا مجرد حملة موسمية.

إن تخصيص جزء من إيرادات الضرائب على التبغ لبرامج الوقاية والعلاج، وتعزيز برامج الإقلاع عن التدخين، وتطبيق التشريعات الخاصة بمنع التدخين في الأماكن العامة، وتشديد الرقابة على وصول منتجات التبغ إلى صغار السن، كلها خطوات من شأنها أن تحول الإيرادات إلى وسيلة لحماية المجتمع، لا مجرد مورد مالي.

كما أن من المهم أن تتوسع الحكومات في البحث عن مصادر إيرادات أكثر استدامة، تقوم على دعم الاستثمار، وتشجيع الابتكار، وتحفيز الإنتاج، وتنمية القطاعات الاقتصادية القادرة على خلق فرص العمل وزيادة النمو. فكلما ارتفع الإنتاج، تراجع الاعتماد على الإيرادات المرتبطة بالاستهلاك، وخاصة استهلاك السلع الضارة.

إن بناء اقتصاد قوي لا يتحقق فقط بزيادة الدخل العام، وإنما ببناء إنسان يتمتع بالصحة والقدرة على التعلم والعمل والإبداع. فصحة المواطن ليست عبئًا على الموازنة، بل هي استثمار طويل الأجل في التنمية والاستقرار والازدهار.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في خفض معدلات التدخين لم تعتمد على الضرائب وحدها، بل جعلت من التوعية والتعليم والتشريعات والرقابة منظومة متكاملة، وكان هدفها النهائي أن يتراجع الطلب على التبغ عامًا بعد عام، حتى لو انعكس ذلك على الإيرادات في المدى القصير. فالمكاسب الصحية والاقتصادية التي تتحقق على المدى الطويل تفوق بكثير أي خسارة مؤقتة في الإيرادات.

إن المراجعة المستمرة للسياسات ليست اعترافًا بالخطأ، بل دليل على نضج المؤسسات وقدرتها على التكيف مع المتغيرات. واليوم، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في العلاقة بين الإيرادات العامة وصحة الإنسان، بحيث تكون السياسات المالية جزءًا من مشروع وطني للتنمية المستدامة، لا هدفًا قائمًا بذاته.

فالإنسان هو أساس الاقتصاد، وغاية التنمية، وأهم مورد تملكه الدولة. وكل سياسة تضع صحته في مقدمة أولوياتها، إنما تستثمر في مستقبل الوطن بأكمله، لأن المجتمعات لا تُقاس بما تجمعه من أموال، بل بما تحافظ عليه من إنسان.


مواضيع قد تهمك