د. محمد الحدب السرحان : الأردن يعبر إلى فئة "الدخل المتوسط الأعلى"... ماذا تعني رسالة البنك الدولي؟
لا يمثل انتقال الأردن إلى فئة الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى في تصنيف البنك الدولي مجرد تحديث إحصائي، بل يعد مؤشراً اقتصادياً يعكس تحسن حجم الاقتصاد الوطني واستمرار مسار الإصلاح والاستقرار. والأهم من التصنيف نفسه هو الرسائل التي يبعث بها إلى المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية حول متانة الاقتصاد الأردني وقدرته على مواصلة النمو.
ومن المهم توضيح أن هذا التصنيف لا يعني أن متوسط دخل المواطن الأردني أصبح 5260 دولاراً سنوياً، وإنما يعتمد على نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي وفق طريقة أطلس التي يستخدمها البنك الدولي لأغراض المقارنة الدولية، وهي منهجية إحصائية لا تعكس الدخل الفعلي للأفراد، بل تقيس حجم الاقتصاد مقارنة بعدد السكان.
وجاء انتقال الأردن إلى هذه الفئة نتيجة مجموعة عوامل متزامنة، أبرزها تحديث الحسابات القومية الذي أظهر أن حجم الاقتصاد أكبر بنحو 10 بالمئة مما كان مقدراً سابقاً، إلى جانب تحقيق نمو اقتصادي بلغ 2.8 بالمئة خلال عام 2025، ليرتفع نصيب الفرد إلى 5260 دولاراً متجاوزاً الحد الأدنى للفئة الجديدة البالغ 4636 دولاراً بفارق 624 دولاراً.
كما تعكس هذه النتيجة نجاح تحديث المنهجية الإحصائية التي اعتمدتها دائرة الإحصاءات العامة، من خلال توسيع التغطية لتشمل أنشطة اقتصادية وخدمية ورقمية لم تكن ممثلة بالشكل الكافي سابقاً، وهي مراجعات دورية تطبقها معظم دول العالم لضمان قياس أكثر دقة للناتج المحلي وحجم الاقتصاد.
ويكتسب هذا التصنيف أهمية خاصة لأنه يأتي متزامناً مع استمرار الإشادات الدولية بالاقتصاد الأردني، سواء من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أو وكالات التصنيف الائتماني، التي أكدت خلال العامين الماضيين قدرة المملكة على المحافظة على الاستقرار الاقتصادي رغم الظروف الإقليمية المعقدة.
ومن منظور المستثمر، لا يعتمد قرار الاستثمار على مؤشر واحد، بل على منظومة متكاملة تشمل النمو الاقتصادي، والتضخم، والاستقرار النقدي، والتصنيف الائتماني، وتقييمات المؤسسات الدولية. وعندما تتحسن هذه المؤشرات مجتمعة، فإنها تخفض المخاطر الاستثمارية وتعزز جاذبية الاقتصاد أمام رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
كما تمتد آثار هذا التصنيف إلى أسواق المال العالمية، حيث يسهم في تعزيز ثقة المستثمرين بالسندات السيادية الأردنية (اليوروبوند)، ويحد من علاوة المخاطر، بما ينعكس تدريجياً على انخفاض كلفة الاقتراض الخارجي وتخفيف أعباء خدمة الدين، إلى جانب تحسين قدرة الحكومة والقطاع الخاص على الوصول إلى التمويل بشروط أكثر تنافسية.
وفي المقابل، قد يؤدي الانتقال إلى فئة دخل أعلى إلى تراجع أهلية الأردن لبعض أدوات التمويل الميسر والمنح المخصصة للدول الأقل دخلاً، إلا أن ذلك يعد تطوراً طبيعياً يعكس تحسن مكانة الاقتصاد، ويقابله ارتفاع فرص جذب الاستثمارات الخاصة وتعزيز الاعتماد على التمويل القائم على ثقة الأسواق.
وتتوافق هذه النتيجة مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، التي تركز على رفع الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز الصادرات، وتمكين القطاع الخاص، وخلق مليون فرصة عمل بحلول عام 2033. ويبقى التحدي الحقيقي اليوم هو تحويل هذه الثقة الدولية إلى مشاريع إنتاجية واستثمارات جديدة ووظائف نوعية تنعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطنين.
وفي المحصلة، فإن انتقال الأردن إلى فئة الدخل المتوسط الأعلى يمثل شهادة ثقة دولية جديدة بالاقتصاد الوطني، لكنه ليس خط النهاية، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب البناء على هذا الإنجاز عبر مواصلة الإصلاحات وتحويل المؤشرات الإيجابية إلى نمو اقتصادي أكثر شمولاً واستدامة يشعر المواطن بثماره في حياته اليومية.
ــ الراي