اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. عمر الرداد : هل يطلق ترامب يد نتنياهو بالضفة مقابل عدم إفشال الاتفاق مع إيران؟

د. عمر الرداد : هل يطلق ترامب يد نتنياهو بالضفة مقابل عدم إفشال الاتفاق مع إيران؟
أخبارنا :  

يكشف المسار التاريخي للعلاقة الأميركية–الإسرائيلية أن واشنطن تلجأ عادة إلى إدارة الخلافات الاستراتيجية مع إسرائيل بتقديم تعويضات سياسية أو أمنية وجيوسياسية، خصوصاً عندما تتبنى واشنطن سياسات ترى فيها تل أبيب مساسا بمصالحها العليا، وتبرز هنا تساؤلات متزايدة حول طبيعة المقابل الذي قد تعرضه إدارة ترامب على حكومة نتنياهو إذا ما اتجهت نحو تفاهم أو اتفاق " دائم"مع إيران، وحول الساحات المرشحة لتكون مجالاً لهذه المقايضة، وفي مقدمتها الضفة الغربية، إلى جانب غزة وسوريا ولبنان ومسار التطبيع الإقليمي.


لقد اصبح مؤكدا ان تفاهما أميركيا مع إيران يواجه تحدياً إيرانياً من التيار الأكثر تشددا في الحرس الثوري الإيراني الذي أحكم قبضته على الحكم، وبالتزامن فان رفض نتنياهو القبول بهذا الاتفاق يشكل تحديا أمام واشنطن، حيث استقرت مقاربات إسرائيلية بان أي اتفاق لا يؤدي إلى تفكيك كامل للبنية النووية الإيرانية لا يعدو أن يكون تسوية مؤقتة،تمنح طهران الوقت والموارد لإعادة بناء قدراتها الاستراتيجية مستقبلاً، فيما تبدو إدارة الرئيس دونالد ترامب أكثر ميلاً إلى مقاربة تقوم على احتواء التهديد الإيراني وإدارته بدلاً من الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة قد تفرض أثماناً سياسية واقتصادية وعسكرية مرتفعة على امريكا وحلفائها.


وفي ضوء هذه المعادلة، يرجح أن تسعى واشنطن لتقديم تعويضات استراتيجية لإسرائيل تضمن عدم تحول نتنياهو إلى طرف معطل للاتفاق أو عامل ضغط داخلي وخارجي لإفشاله، ومن المرجح أن التعويضات الأكثر احتمالاً لن تكون مرتبطة بالمساعدات العسكرية التقليدية بقدر ارتباطها بملفات جيوسياسية تمس المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية المباشرة،ويبدو أن الضفة الغربية ستكون الساحة الأكثر احتمالاً لأن تكون محور هذا التعويض،فبالنسبة لائتلاف اليمين الإسرائيلي لا تقتصر أهمية الضفة على بعدها الأمني، بل ترتبط بمشروع سياسي وأيديولوجي طويل الأمد،يسعى إلى تثبيت وقائع تجعل أي تسوية سياسية مستقبلية أكثر صعوبة،لذا قد تتجه واشنطن إلى تخفيف ضغوطها المتعلقة بتوسيع الاستيطان،أو الامتناع عن معارضة خطوات إسرائيلية تهدف إلى تعزيز السيطرة الإدارية والأمنية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، أو تقليص الضغوط المرتبطة بإحياء مسار الدولة الفلسطينية خلال السنوات المقبلة، وقد ترى واشنطن في هذه التنازلات ثمناً مقبولاً مقارنة بالعوائد التي يمكن أن يحققها اتفاق مع إيران يضمن تجميد مسارات التصعيد النووي ويخفض احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة في المنطقة، لا سيما وان اطلاق يد نتنياهو بالضفة لا يفرض التزامات مالية أو عسكرية مباشرة على واشنطن،وهو ما يجعله خياراً عملياً وقابلاً للتنفيذ سياسياً.


وربما لا يتوقف التعويض عند الضفة الغربية، حيث تأتي غزة في المرتبة الثانية، إذ تواصل إسرائيل مساعيها لصياغة ترتيبات أمنية جديدة تمنع عودة التهديدات العسكرية من القطاع،ومن المرجح أن تسمح واشنطن لإسرائيل بهامش أوسع في إدارة مرحلة ما بعد الحرب، سواء من خلال دعم ترتيبات أمنية طويلة الأمد أو من خلال تأجيل أي ضغوط أميركية جدية تتعلق بإعادة إطلاق مسار سياسي فلسطيني شامل،وقد تغض الإدارة الأميركية الطرف عن استمرار الوجود الأمني الإسرائيلي بأشكال مختلفة داخل القطاع أو على حدوده لفترات أطول مما كان مطروحاً سابقاً، أي خرق الاتفاقيات الخاصة بغزة، بما فيها "مجلس السلام".


أما الساحة السورية،فمن المتوقع أن تواصل واشنطن منح إسرائيل حرية واسعة لمواصلة استهداف "البنية العسكرية الإيرانية" وشبكات نقل السلاح داخل سوريا، من خلال تعزيز التنسيق الاستخباري والعسكري، وتكمن أهمية هذا المسار في أنه يسمح لنتنياهو بالقول إن الاتفاق مع إيران لا يعني القبول بالتمدد الإقليمي الإيراني أو توفير مظلة حماية لحلفاء طهران في المنطقة، ويبرز هنا احتمال توسيع دعم واشنطن للجهود الرامية إلى تقليص نفوذ حزب الله في المناطق الحدودية وتعزيز تطبيق الترتيبات الأمنية جنوب لبنان، كما يمكن أن تتبنى واشنطن موقفاً أكثر تشدداً تجاه الحزب سياسياً ومالياً، بما يمنح إسرائيل شعوراً بأن الاتفاق النووي لا يأتي على حساب مصالحها الأمنية المباشرة في الجبهة الشمالية.


وبالتزامن مع ذلك، فمن غير الواضح فيما اذا كان "تعويض" اسرائيل سيشمل كل هذه الساحات، لكن المؤكد أن تعويضا يطمح إليه نتنياهو بعد ملف الضفة الغربية،بتوسيع مسارات التطبيع والتعاون الأمني مع الدول العربية، إذ أن نجاح واشنطن في دفع هذا المسار سيمنح الحكومة الإسرائيلية مكسباً استراتيجياً يمكن تسويقه داخلياً باعتباره إنجازاً تاريخياً يفوق المخاوف المرتبطة بالاتفاق مع إيران، كما أن بناء منظومة تعاون إقليمي جديدة ينسجم مع المقاربة الإسرائيلية القائمة على دمج إسرائيل في الإقليم مع إبقاء القضية الفلسطينية في مرتبة ثانوية.


وفي الخلاصة،فإن التقدير الأرجح يتمثل في أن أية صفقة أميركية–إيرانية لن تكون اتفاقاً ثنائياً خالصاً بين واشنطن وطهران، بل جزءاً من مقايضة إقليمية أوسع،تسعى واشنطن من خلالها إلى تحقيق توازن بين احتواء إيران ومنح إسرائيل مكاسب استراتيجية في ساحات أخرى، ويبدو أن الضفة الغربية قد تكون المرشح الأول كساحة تعويض، ليس لأنها تمثل أولوية لحكومة نتنياهو الحالية،بل أيضاً لأنها الساحة الأقل كلفة على واشنطن والأكثر قدرة على توفير غطاء سياسي لإسرائيل مقابل القبول باتفاق لا يحقق جميع شروطها تجاه الملف النووي الإيراني، ولذلك فان مستقبل الضفة خلال المرحلة المقبلة قد يشكل مؤشراً مبكراً على طبيعة التفاهمات غير المعلنة، بعد اتفاق أميركي–إيراني محتمل.


مواضيع قد تهمك