كأس العالم.. تعزيز لقوة الدولة الناعمة وترسيخ لحضور الأردن عالميًا
كتب: عمر المحارمة
مع انطلاق نهائيات كأس العالم 2026 ودخول الأردن للمرة الأولى في تاريخه إلى أكبر محفل كروي على مستوى العالم، لم يعد الحديث يدور حول إنجاز التأهل بحد ذاته، بل حول ما يمكن أن تحققه المشاركة الأردنية من مكاسب تتجاوز حدود الرياضة ونتائج المباريات.
فوجود المنتخب الوطني بين نخبة منتخبات العالم يضع المملكة أمام فرصة استثنائية لتعزيز حضورها الدولي واستثمار هذا الحدث العالمي في خدمة أهدافها السياسية والاقتصادية والسياحية والثقافية.
فكأس العالم ليس مجرد بطولة رياضية، بل يعد أكبر منصة إعلامية عالمية دورية، يتابع فعالياتها مليارات المشاهدين عبر مختلف القارات، وتخصص لها آلاف المؤسسات الإعلامية ساعات بث وتغطية وتحليل تتجاوز في كثير من الأحيان الاهتمام الممنوح لأحداث سياسية واقتصادية كبرى.
ومن هنا، يصبح ظهور الأردن في البطولة حدثاً وطنياً بامتياز، يتيح للمملكة الوصول إلى جمهور عالمي يصعب الوصول إليه عبر الأدوات الدبلوماسية والإعلامية التقليدية.
وسيخوض المنتخب الوطني ثلاث مباريات في دور المجموعات، تمثل كل واحدة منها نافذة عالمية مستقلة للتعريف بالأردن، فهذه المباريات ليست مجرد تسعين دقيقة من المنافسة الرياضية، بل منصات إعلامية متكاملة سيظهر خلالها اسم الأردن وعلمه ونشيده الوطني أمام مئات الملايين من المشاهدين والمتابعين حول العالم، وسترافق هذه المباريات تغطيات إعلامية واسعة وتقارير صحفية وتحليلات وبرامج تلفزيونية ومحتوى رقمي متجدد، ما يضع المملكة في دائرة اهتمام عالمي غير مسبوقة.
وتتضاعف أهمية هذه الفرصة في عصر الإعلام الرقمي، حيث أصبح الاهتمام العالمي يقاس أيضاً بحجم التفاعل الإلكتروني وعمليات البحث عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي. فكل ظهور لافت أو نتيجة إيجابية تحققها المنتخبات في كأس العالم تنعكس مباشرة على حجم الاهتمام العالمي بالدول التي تمثلها، حيث يدفع الفضول الجماهير ووسائل الإعلام إلى البحث عن معلومات تتعلق بالدولة المشاركة، وتاريخها، وثقافتها، وموقعها الجغرافي، وفرصها السياحية والاستثمارية، وهو ما يمنح الدول فرصة نادرة لتقديم نفسها للعالم بصورة إيجابية وجاذبة. ولا تقتصر قيمة المشاركة الأردنية على المباريات الثلاث المضمونة في دور المجموعات، بل إن القيمة الحقيقية قد تتضاعف بصورة كبيرة إذا نجح المنتخب الوطني في تحقيق مفاجأة كروية والتأهل إلى الدور الثاني، ففي هذه الحالة لن يكون الأردن مجرد أحد المنتخبات المشاركة، بل سيتحول إلى واحدة من قصص البطولة الرئيسية، خصوصاً أن المنتخبات التي تشارك للمرة الأولى وتنجح في تجاوز التوقعات تحظى عادة باهتمام إعلامي استثنائي، وعندها ستتسع دائرة التغطية الإعلامية، وستزداد التقارير التي تتناول الأردن، وسيتحول المنتخب إلى مادة يومية للصحافة الرياضية العالمية، بما يضاعف حجم الانتباه الموجه نحو المملكة.
وتندرج هذه المكاسب ضمن مفهوم «القوة الناعمة» الذي أصبح أحد أهم أدوات التأثير في العلاقات الدولية المعاصرة، فالدول اليوم لا تعتمد فقط على قوتها العسكرية أو الاقتصادية في تعزيز مكانتها الدولية، وإنما تسعى إلى بناء صورة إيجابية وجاذبة من خلال الثقافة والتعليم والفنون والرياضة، حيث أصبحت الدبلوماسية الرياضية أحد أبرز فروع الدبلوماسية العامة التي تستخدمها الدول لتعزيز نفوذها وحضورها العالمي.
مشاركة الأردن في كأس العالم تمثل فرصة مثالية لتوظيف الرياضة كأداة من أدوات القوة الناعمة، فالمملكة تمتلك العديد من المقومات التي يمكن إبرازها للعالم، وفي مقدمتها الاستقرار السياسي والأمني، والاعتدال السياسي، والدور الدبلوماسي المتوازن الذي لعبته على مدى عقود في مختلف القضايا الإقليمية والدولية، إلى جانب الإرث الحضاري والثقافي والسياحي الغني الذي تتمتع به.
كما تتيح البطولة فرصة مهمة للترويج للسياحة الأردنية بمختلف أنواعها، فالأردن يضم مواقع سياحية وتاريخية تعد من الأشهر عالمياً، مثل البترا ووادي رم والبحر الميت وجرش والمغطس وغيرها من المواقع التي تشكل عناصر جذب رئيسية للزوار من مختلف أنحاء العالم، كما يتمتع بمكانة متقدمة في مجالات السياحة العلاجية والدينية والثقافية، وهي قطاعات يمكن أن تستفيد بصورة مباشرة من أي ارتفاع في مستوى الاهتمام العالمي بالمملكة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن تحسين الصورة الذهنية للأردن عالمياً يمكن أن ينعكس إيجاباً على فرص جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني. فالمستثمرون عادة لا ينظرون فقط إلى المؤشرات الاقتصادية المجردة، بل يتأثرون أيضاً بالصورة العامة للدولة ومستوى حضورها الدولي واستقرارها السياسي والأمني، وكلما ازداد التعريف بالأردن كدولة مستقرة ومنفتحة وطموحة، ازدادت فرص استقطاب استثمارات جديدة في مختلف القطاعات.
ولعل أفضل دليل على حجم الفوائد التي يمكن أن يجنيها الأردن من هذه المشاركة، هو التجارب التي عاشتها المملكة خلال السنوات الماضية عندما تحولت إلى محور اهتمام إعلامي دولي، فقد نجح الأردن في مناسبات عديدة في استثمار الزخم الإعلامي العالمي لتعزيز حضوره الخارجي، وبرز ذلك من خلال استضافة مؤتمرات وفعاليات دولية كبرى، ومن خلال الدور الدبلوماسي الذي لعبته المملكة في العديد من القضايا الإقليمية والإنسانية، حيث حظيت مواقفها باعتراف وتقدير دوليين انعكسا بصورة إيجابية على صورتها الخارجية.
كما شهدت مواقع أردنية عديدة اهتماماً عالمياً واسعاً نتيجة ظهورها في أعمال سينمائية عالمية كبرى، وعلى رأسها وادي رم الذي تحول إلى أحد أشهر مواقع التصوير السينمائي في العالم، والبترا التي رسخت مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات السياحية العالمية، وقد أظهرت هذه التجارب كيف يمكن للحضور الإعلامي العالمي أن يتحول إلى مكاسب سياحية واقتصادية وثقافية ملموسة.
المثال الأقرب إلى الحالة الحالية، يتمثل في الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب الوطني خلال بطولة كأس آسيا 2023 عندما بلغ المباراة النهائية للمرة الأولى في تاريخه، فقد شهدت تلك الفترة اهتماماً إعلامياً عربياً وآسيوياً واسعاً بالأردن، وتحول اسم المملكة إلى عنوان يومي في الصحف والقنوات الرياضية والمنصات الرقمية، ولم يقتصر الحديث آنذاك على كرة القدم فقط، بل امتد إلى التعريف بالأردن وشعبه وثقافته وتاريخه ومواقعه السياحية، ما قدم نموذجاً عملياً لكيفية تحول الإنجاز الرياضي إلى أداة فعالة للترويج الوطني.
وإذا كانت بطولة كأس آسيا قد نجحت في جذب اهتمام قاري وإقليمي واسع، فإن كأس العالم يمثل منصة أكبر، فحجم الجمهور والمتابعة والتغطية الإعلامية العالمية في المونديال يفوق أي بطولة رياضية أخرى تقريباً، وهو ما يجعل المكاسب المحتملة للمملكة أكبر بكثير من تلك التي تحققت خلال المشاركات القارية السابقة.
ولا تقتصر أهمية المشاركة على الأبعاد الخارجية فقط، بل تمتد إلى الداخل الأردني أيضاً، فقد أسهم وصول المنتخب إلى كأس العالم في تعزيز مشاعر الفخر الوطني والانتماء، وأوجد حالة من الالتفاف الشعبي حول هدف وطني جامع، وأثبتت الرياضة مجدداً قدرتها على توحيد الأردنيين خلف راية واحدة وتعزيز الشعور بالهوية الوطنية المشتركة، وهي قيمة اجتماعية لا تقل أهمية عن المكاسب السياسية والاقتصادية.
ومن هنا فإن مشاركة الأردن في كأس العالم ينبغي النظر إليها باعتبارها مشروعاً وطنياً متكاملاً وليس مجرد مشاركة رياضية، والمطلوب اليوم هو استثمار هذا الظهور العالمي ضمن رؤية وطنية شاملة تشارك فيها مؤسسات الدولة والقطاع الخاص ووسائل الإعلام والقطاع السياحي والاقتصادي، بهدف تحويل الاهتمام العالمي المؤقت إلى مكاسب مستدامة تعزز مكانة الأردن على المدى البعيد.
أنظار العالم ستكون متجهة نحو ملاعب كأس العالم، وسيكون الأردن حاضراً للمرة الأولى في هذا المشهد الكوني، وبينما يسعى المنتخب لتحقيق نتائج إيجابية داخل المستطيل الأخضر، تبرز فرصة موازية لا تقل أهمية تتمثل في تقديم الأردن للعالم بوصفه دولة مستقرة وطموحة وحديثة، تمتلك تاريخاً عريقاً وحاضراً فاعلاً ورؤية واضحة للمستقبل. وإذا نجح النشامى في تجاوز دور المجموعات وبلوغ الدور الثاني، فإن المملكة لن تكون قد حققت إنجازاً رياضياً جديداً فحسب، بل ستكون قد حصلت على واحدة من أكبر فرص الترويج الدولي في تاريخها الحديث، وفرصة نادرة لتعزيز قوتها الناعمة وترسيخ حضورها في الوعي العالمي.
ــ الدستور