المحامي معن عبد اللطيف العواملة : المشروع العربي: من جغرافيا الاستهداف إلى طاولة القرار
يمر المشهد الإقليمي والدولي الراهن بحالة من الالتباس الشديد والسيولة الاستراتيجية، حيث تنخرط قوى إقليمية ودولية في صراعات معقدة تهدف إلى صياغة وتحديد «قواعد اشتباك» مستقبلية جديدة كليًا. في هذا الصراع، تستميت إيران في الدفاع عن نفوذها العابر للحدود الوطنية والسياسية، بينما تمضي إسرائيل بشكل ممنهج في مشروعها القائم على فرض التفوق الأمني والعسكري المطلق، مستهدفة تصفية القضية الفلسطينية كليًا، و ضمان هيمنتها التكنولوجية والأمنية والعسكرية على المنطقة. أما القوى الدولية، فينقسم سلوكها بين طرف يسعى لإدارة هذه اللعبة المعقدة، وطرف آخر يكتفي بمراقبة المشهد بذهول. وفي خضم هذه الدوامة، تراقب معظم دول المنطقة ما يجري بحبس الانفاس.
تلوح بارقة الأمل الحقيقية في هذا الأفق القاتم من خلال تمكن دول الخليج العربي والاردن من مجابهة التهديدات والاعتداءات الآثمة بحزم وصلابة، إلى جانب ثبات موقفها التاريخي والمبدئي تجاه مركزية القضية الفلسطينية باعتبارها جوهر الاستقرار الإقليمي. وفي الوقت الذي تتشكل فيه توازنات القوى، يتردد السؤال في أروقة صنع القرار من المحيط إلى الخليج: ما هي الملامح الحقيقية لـ «المشروع العربي» القادر على مواجهة المشاريع الأخرى ومنافستها على الأرض؟ وأين هو المكان المخصص للعرب على طاولة الصياغة الإقليمية الجديدة؟
إن التحدي الجوهري لا يكمن في انعدام الإمكانيات، بل في آليات توظيف المقدرات المتاحة وتوجيهها استراتيجيًا. فالمنطقة العربية تمتلك ثروة بشرية شابة هائلة، وأضخم احتياطيات الطاقة العالمية، وتشرف على أهم الممرات المائية الحيوية لحركة التجارة والاقتصاد الدولي. ومع ذلك، وفي ظل هذا الصراع الشرس بين المشاريع الكبرى، تواجه العديد من الدول العربية أخطاراً حقيقية قد تعصف باستقرارها. فالأمر لم يعد مقتصرًا على الظروف السياسية والعسكرية الضاغطة فحسب، بل إن تكالب الضغوط الاقتصادية الحادة وغياب برامج التنمية المستدامة الحقيقية يضاعفان من حساسية المشهد.
إن التحول الحقيقي والمطلوب لمواجهة هذه الاستحقاقات هو تغيير بنيوي في المفاهيم، وفي مقدمتها تحويل التنوع الثقافي والاجتماعي الذي تزخر به الدول العربية من ثغرات إلى طاقة جبارة ورافعة للتنمية والبناء. وهنا تبرز «دولة المواطنة» كضرورة حتمية، حيث يكون القانون هو الفيصل الوحيد والجميع أمامه سواء، وحيث تتكافأ الفرص بالمعايير الوطنية الصرفة. ورغم حجم التحديات، تفرض الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك حالة من «وحدة الحال» التي تشكل محور الحل وتتمثل في المشتركات العربية الكبرى، الحيوية والعاجلة، من قضايا الأمن المائي والغذائي، واستقرار سلاسل إمداد الطاقة، وحماية السيادة الوطنية الشاملة. وهي ملفات لا يمكن تحصينها إلا من خلال بناء مظلة أمنية واقتصادية مشتركة.
إن «المشروع العربي» في اللحظة الراهنة هو ضرورة وجودية، فالتحول الجذري في الرؤية وآليات العمل التنفيذي هما السلاح الوحيد والفعال لمواجهة المشاريع التوسعية. اذ يقف العرب اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يكونوا «الرقم الصعب» في المعادلة عبر الاستثمار في مشتركاتهم و في تنوعهم كقوة إبداعية وسياسية واقتصادية متكاملة، أو أن يبقوا مجرد ساحات.
التفاؤل يظل حاضرًا بالنظر إلى حجم القدرات الذاتية، ولكن الحذر واجب لأن مشاريع الآخرين تتقدم. لقد حان الوقت لتكون المظلة العربية ملاذاً حقيقياً وآمناً لكل أبنائها، محولةً الخصوصيات المحلية من مداخل للفتن إلى أركان راسخة في بناء حضاري وسياسي متجدد. لقد ضاعت من العرب الكثير من الفرص التاريخية، فهل نملك اليوم الإرادة السياسية والوعي الاستراتيجي لاغتنام اللحظة قبل فوات الأوان؟