نواف الزرو : ورقة بحثية: الخليل في الفكر الايديولوجي والسياسي الصهيوني:
هجمات واعتداءات واجتياحات عسكرية واستعمارية-استيطانية بنصوص توراتية مزعومة...!
*نواف الزرو
NZARO22@HOTMAIL.COM
إذا كان الاستيطان اليهودي يحتل تلك المكانة الاستراتيجية في الفكر السياسي الأيديولوجي الصهيوني / الإسرائيلي ، وإذا كانت سياسة الاستيطان تنطوي على تلك المركزية الحاسمة في البرامج السياسية الحزبية والحكومية الإسرائيلية المتعلقة بالأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة والقطاع ، وإذا كان أقطاب الدولة الإسرائيلية من مفكرين ومنظرين وسياسيين يصرحون ليل نهار بأن الاستيطان مستمر ، وأن المستوطنات ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية …
إذا كانت هذه الحقائق والمعطيات الوافرة الغزيرة كلها تتعلق بالأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل عام ، فإن مدينة الخليل بدورها تحتل مكانة خاصة ومتميزة ومركزية في ذلك الفكر السياسي الأيديولوجي ، وفي تلك البرامج السياسية ، وتلك التطبيقات الاستيطانية التهويدية المحمومة .
ونحن إذ نعرض لمكانة الخليل في فكرهم ومزاعمهم وتطبيقاتهم على الأرض ، فذلك ليس لتكريسها بالتأكيد ، وإنما بهدف كشفها وفضحها ودفعها ومقاومتها .
وحيث أننا لسنا في سياق هذا المحور – بصدد البحث في تاريخ مدينة خليل الرحمن وتطورها ، وخاصة ما يتعلق بالوجود الديني اليهودي فيها ، فإننا نكتفي بوضع خطوط مشددة تحت أبرز وأخطر التصريحات والمواقف والأدبيات الأيديولوجية السياسية الحديثة التي تشكل أرضية بالغة الخطورة للمشروع الاستيطاني اليهودي برمته في منطقة الخليل .
فإذا ما تجاوزنا بالتالي رواية " أن الخليل هي مدينة الآباء والأجداد ، وأن إبراهيم بنى معبداً للرب فيها " (1)، وتوقفنا أمام أدبياتهم السياسية الحديثة التي تكرس من وجهة نظرهم مزاعمهم بحق الاستيطان في الخليل ، فإننا سنقرأ الكثير منها ، ولعل ما يهمنا هنا هو الاستشهاد بأبرز وأخطر تلك الأدبيات الموثـقة في برامجهم السياسية أو في تصريحات زعمائهم التاريخيين أو الجدد .
*أولوية الاستيطان في الخليل
فمنذ البدايات الأولى لاحتلال الأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع ، أعلنت الحكومة الائتلافية الإسرائيلية آنذاك أن الأولوية الأولى للاستيطان اليهودي في مدينة خليل الرحمن ، وتحركت قاطرة الاستيطان التهويدي على ارض الخليل قبل أي مكان آخر(2).
والحجة الأولى والكبيرة الأساسية المغلفة بالأيديولوجيا التي استندت إليها عملية الاستيطان في الخليل " أن الخليل مدينة مقدسة لدى اليهود ، عاش فيها ومات بعض أنبيائهم وزوجات أنبيائهم كما ورد في التوراة " (3).
و " الملفت للانتباه أن الاستيطان يجري في الخليل تحت حجة أنها مدينة عبرية ، وأن الملك داود اتخذها في حينه عاصمة لملكه ، وأن فيها عددا من قبور الأنبياء وزوجاتهم ، وهي بذلك تتساوى في أهميتها مع تهويد مدينة القدس ، بل إن بعض المتطرفين الصهاينة يذهب أبعد من ذلك ، ويعتبرها تفوق في أهميتها مدينة القدس "(4).
وعلى خلفية ذلك جاء في فكر وأدبيات يغئال الون ( وزير خارجية إسرائيل خلال السنوات الأولى لاحتلال الضفة والقطاع ) السياسية تجاه الخليل ما يلي : " يجب أن نعيد رسم حقل الألغام في الخليل ، وأن نتذكر ونذكر ، فالخليل هي مدينة الآباء وعاصمة الملك داود ، وهي واحدة من المدن الأربعة المقدسة لدى اليهود والشعب الإسرائيلي ، وعلى مدى أجيال شتـاته ، إنها المدينة التي يرفرف فوقـها ظل المجزرة التي ارتكبها عرب الخليل ضد اليهـود .. (5)
تكرست المقولة – المزيفة أعلاه – في الفكر السياسي والأيديولوجي ، وفي المشاريع والمخططات الاستيطانية الإسرائيلية تجاه الخليل على مدى سنوات احتلالها الماضية ، وأصبـحت المدينة على لسان أي رئيس وزراء إسرائيلي ، أو أي وزير ، أو أي مسؤول بارز ، أو أي زعيم استيطاني ، أو حتى أي صحفي ، أو إعلامي إسرائيلي ، وباتت الادبيات السياسية والأيديولوجية الإسرائيلية التي تزعم أن مدينة الخليل يهودية غزيرة . ولذلك نكتفي في سياق هذه الدراسة المكثـفة بالتعرض لهذه المسألة عبر تصريحات رؤساء الحكومات الإسرائيلية على مدى العقود الثلاثة الماضية .
فمنذ البدايات الأولى اشتملت الخطوط الأساسية للحكومة الإسرائيلية على بند يسمح بالاستيطان اليهودي في الخليل وأنحاء الضفة والقطاع . وانعكس ذلك في مشروع ألون وزير الخارجية الإسرائيلية آنذاك ، والذي أعطى خلفية أيديولوجية و استراتيجية وأمنية لمشروع الاستيطان اليهودي في الخليل وأنحاء الضفة(6).
وتضمنت الخطوط الأساسية للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بعد ذلك ، كما اشتملت كافة البرامج السياسية للأحزاب الإسرائيلية على اختلاف انتماءاتها وتصنيفاتها ، على بند أساسي يميز ويبرز الاستيطان اليهودي في " أرض إسرائيل " المزعومة ، التي يقصدون بها أرض فلسطين التاريخية ، وفي مفاهيمهم تأتي القدس والخليل في المقدمة .
فعلى صعيد اليمين واليمين الإسرائيلي المتشدد مثلا ، إن كان مناحيم بيغن تحدث مبدئياً واستراتيجياً قائلاً : " لن نجمد الاستيطان في أي ظرف من الظروف مثـلما لا يمكن تجميد الحياة نفسها " (7)، و " أن الضفة ستبقى للشعب اليهودي " (8)، فقـد أكد اسحق شامير خلـيفته قـائلاً : " أن وجـودنا في الضفة الغربية وقطاع غزة بقوة حقـنا ، وليس بحق القوة " (9) ، و " أن من حق اليهود الاستيطان في الخليل (10)، و " أن دخول بيت في الخليل ليس استيطاناً جديداً ، ولن نوافق بأن يكون هناك نظام الكتاب الأبيض في الخليل وسنعمل على تكثيف الاستيطان في مدينة الآباء .. "(11).
كما أكد ارئيل شارون زعم الليكود ومعسكر اليمين الإسرائيلي حالياً السياسة الليكودية – اليمينية ذاتها بسلسلة طويلة لا حصر لها ليس من التصريحات والمواقف المعلنة ، وإنما وهذا الأخطر بسلسلة طويلة من الإجراءات والإعتداءات ضد الخليل وأهلها .
فملف شارون في الحقيقة طافح بالتصريحات والمواقف والمشاريع والإجراءات والممارسات الانتهاكية السافرة ضد الخليل والقدس بشكل محدد
فقد أكد شارون مراراً وتكراراً " أن الاستيطان اليهودي يجب أن يتم في قلب كل مدينة عربية في الضفة الغربية " (12) ، و " اليوم يجب أن نستوطن في جميع البيوت التي يملكها اليهود في الخليل " (13) ، و " إنني أؤكد أن كل وجودنا في الخليل يستـند برمته إلى بعد تـاريخي ، وأننا نؤكد على ضرورة الاحتـفاظ بهذا الوجود من أجل ربط الحاضر بالماضي " (14).
بينما كان موشيه ارينز وهو شخصية قيادية أخرى بارزة في تاريخ الليكود واليمين ، قد أعلن من ضمن ما أعلنه : " أن الحكومة الإسرائيلية تجدد الاستيطان اليهودي في قلب مدينة الخليل نظرا لما يتمتع به الأمر من أهمية قصوى ليس على الصعيد الروحاني فحسب ، وإنما على الصعيد الاستراتيجي أيضاً … "(15).
أما بالنسبة لبنيامين نتنياهو فحدث ولا حرج ، فقد شن عبر سنوات حكمه حملات استيطانية مكثفة واسعة النطاق في انحاء الضفة والقطاع ، خاصة في مدينتي القدس والخليل . وكان من أبرز تصريحاته تجاه الخليل يوم تعهد للمستوطنين اليهود في الخليل قائلاً : " إن عملية البناء والتطور الاستيطاني اليهودي في الخليل ستستمر " (16)، وكذلك يوم زيارته التضامنية لمستوطني المدينة حيث خاطبهم قائلاً : " أنتم هنا من أجلنا كلنا ، وسنواصل البناء هنا كما نفهمه … " (17).
ولعل ما وثقه داني نافيه المستشار السياسي لنتنياهو في حينه ، في كتابه " أراء الحكومة الإسرائيلية " ، على لسان نتنياهو بشأن الخليل يعكس حقيقة الخطوط السياسية الأساسية للحكومة الإسرائيلية إزاء الخليل .
فقد جاء في كتاب نافيه : " كان نتنياهو قد حدد أهدافه بالقول : " نحن ملتزمون باتفاقيات أوسلو وكل ما جاء بها بخصوص الأمن والتبادلية ، والذين يوجهون إلي الاتهامات داخل الحكومة وعلى رأسهم بيني بيغن عليهم أن يتذكروا هذا . وسأل أحد الوزراء ماذا بشأن الخليل ؟ فسارع نتنياهو إلى توضيح موقفه : " إذا لم نطبق الاتفاقية بشأن الخليل باستثناء بعض التعديلات الملزمة سنكون بمثابة الساعين لنسف العملية وسنواجه جبهة دولية مما ستكون له ابعاده على الوضع في الجبهة الشمالية "(18).
ويؤكد نافيه مكانة الخليل في سياسة حكومة نتنياهو في أعقاب اتفاق الخليل قائلاً :
" الهدف يجب أن يكون ضمان استمرار الاستيطان اليهودي في الخليل من خلال المحافظة على الأماكن المقدسة . أمام هذا الفصل المليء بالثغرات إزاء الخليل في الاتفاقية المرحلية حاولنا الحصول على تعديلات وبروتوكول أمني ومدني مفصل . فمدينة الخليل هي المفترق الأكثر حساسية في النزاع القائم بيننا وبين الفلسطينيين ، وهي رمز العلاقة الوثيقة للشعب اليهودي بأرض إسرائيل . عام 1929 تم قتل ستة وسبعين يهودياً في مجزرة كبرى ، وبعد هذا الحادث بستة وخمسين عاماً قتل غولد شتاين تسعة وعشرين عربياً برئياً في الحرم الإبراهيمي ، ويهود الخليل مفعمون بالرسالة والعقائدية القومية . ومن ضمنهم تيارات يمينية متطرفة من انصار كهانا . يحيط بهم داخل المدينة العربية أغلبية من مؤيدي حماس ، وليس عبثاً أن تكون الخليل المدينة الوحيدة التي لم نسلمها إلى سلطة عرفات بل تم اتخاذ ترتيبات خاصة بشأنها ، ولدى كل من عمل في مجال التفاوض بشأن الخليل انطباع بأنه يمسك برميل بارود في يديه ، من هنا كانت الخليل محكاً أسياسياً أولياً و هاماً لحكومة نتنياهو في المفاوضات " (19).
وقد عزز كبار الحاخامات وزعماء المستوطنين هذه التصريحات والمواقف الأيديولوجية السياسية لأقطاب التيار اليميني ، بتصريحاتهم المتصلة بلا توقف ، عن " أن الخليل مدينة الآباء والأجداد بأيدينا " (20)، و " أن القدس عاصمة إسرائيل ، والخليل يهودية منذ الأزل وستبقى كذلك " (21) . ونشير هنا إلى التصريحات التي أدلى بها الحاخام الأكبر شلومو غورن فور احتلال المدينة عام 1967 ، حيث دعا إلى استيطان وتهويد الخليل كما سنبين لاحقاً .
غير أننا نشير في الوقت ذاته الى ذلك المعلومة التي نشرتها الصحف العبرية يوم 12/7/2000 ، والتي تحدثت عن كبار الحاخامات اليهود أفتو بأمكانية التنازل عن بعض المقدسات اليهودية مثل تقديم تنازلات في الحرم الابراهيمي الشريف.
فقد أوردت صحيفة هارتس العبرية مثلاً : أن باراك أوفد مبعوثاً خاصاً هو الجنرال احتياط يعقوب اور الى كبار الحاخامات اليهود لاستيضاح موقفهم العزاء المسائل الدينية الخاضعة للمفاوضات مع الفلسطنيين ، وقد أوضح عدد من كبار الحاخامات موقفهم قائلين : "أنهم لن يعارضوا نقل السلطة في قبر راحيل ، وقبر يوسف ، وحتى في الحرم الإبراهيمي الشريف إلى ايدي الفلسطينيين شريطة تركيب امور صلاة اليهود فيهم أمنهم – صحيفة هآرتس 12/7/2000 " .
أمـا على صعيد معسكر العمل واليسار الإسرائيلي ، فرغـم أن هناك " أصواتاً يسارية " تدعو إلى إخلاء المستوطنات من قلب مدينة الخليل ، إلا أن الخط الأيديولوجي السياسي والعملي لهذا المعسكر عملياً ، يعزز خط اليمين ويتكامل معه . فعلاوة على ما ثبته يغئال الون في مشروعه المشار إليه ، كان اسحق رابين قد أعلن بدوره غير مرة " أن الاستيطان اليهودي سيستمر وأنه لن يتم تفكيك المستوطنات " (22)، و " أنه لن يتم إخلاء أي مستوطن من مدينة الخليل "(23) .
بينما أعلن شمعون بيريز الذي يفترض أنه من ابرز حمائم العمل ومهندس عملية السلام وأوسلو بالتحديد ، " أن المستوطنات جزء لا ينفصل عن إسرائيل " (24)، " وأن المستوطنات في المناطق ستبقى في جميع الأحوال مهما كانت التسوية السياسية وهذه الحقيقة واضحة للجميع … " (25).
وبينما اعتبر يوسي بيلين مهندس أوسلو إلى جانب بيريز ، والوجه الحمائمي الأبرز في حزب العمل – كما يدعون - : " أن تجمعات المستوطنات يمكن أن تبقى تحت السيادة الإسرائيلية " (26)، فإن إهود باراك رئيس الوزراء الإسرائيلي التلميذ المتفوق لبن غوريون وغولدا مئير واسحق رابين لم يتوقف عن قصفنا ليل نهار بخطوطه الحمراء ولاءاته ، وتأكيداته على أن المستوطنات ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية ، بينما كان قد عارض إخلاء المستوطنين اليهود من قلب مدينة الخليل غداة المذبحة المروعة التي نفذها الإرهابي غولد شتاين ضد المصلين العرب في الحرم الإبراهيمي الشريف(27).
وقد حرص باراك على تأكيد " حق اليهود في مدينة الآباء " ، حينما وجه رسالة تهنئة إلى المستوطنين اليهود في الخليل بمناسبة الذكرى الثانية و الثلاثين لاستيطانهم في المدينة ، حيث قال :
" إن حق اليهود في العيش بهدوء ، في مدينة الأباء أمنين محميين من أي مكروه ، هو حق غير قابل للنقض " (28) . وأضاف باراك في رسالته لمستوطني الخليل :
" لكن الاختبار بالنسبة للاستيطان اليهودي المتجدد وبالنسبة للغالبية العربية يكمن في قدرتهما على إقامة علاقات حسن جوار واحترام متبادل " (29).
وكان الجنرال شلومو غورن كبير حاخامات " إسرائيل " قد قضى منذ المراحل الأولى لاحتلال الخليل وقتاً كبيراً في التفكير بوسائل الاستيطان وتوطين أكبر عدد من اليهود في الخليل وضواحيها . وقد اعترف غورن بذلك في مقابلة أجراها معه التلـفزيون الإسرائيلي قبل وفاته عام 1996 بشهر واحد وبعد أن خلع البزة العسكرية(30).
وفي شهر كانون الثاني من عام 1968 كانت الصحف العبرية قد نشرت إعلانات باسم الحاخام غورن " تدعو اليهود إلى سلوك درب الريادة والاستيطان في الخليل . وأصدر فتوى نشرتها جميع الصحف والنشرات الدينية قال فيها أن استيطان الخليل من أفضل القرابين التي يتقدم بها اليهود إلى خالقهم "(31).
ومن بيغن وألون وشارون وباراك وغيرهم الى نتنياهو مرة اخرى الذي يعود ليعلن في كل مناسبة قائلا: "نقول لمن يحاول اقتلاعنا من الحرم الابراهيمي، اننا هنا منذ 4 آلاف سنة وسنظل هنا للابد، ولن تتمكنوا من اقتلاعنا)32، والى رئيس الكنيست يولي ادلشتاين الذي صرح عشية مؤتمر "لوبي ارض إسرائيل" في الكنيست والذي دعا إلى "فرض السيادة الإسرائيلية على مدينة الخليل"، .وعقد هذا المؤتمر تحت عنوان "الدعم للاستيطان اليهودي في الخليل والالتزام به والتضامن معه" : "من الغريب في نظري أن يجرؤ بعض أعضاء الكنيست على تحدي حق الشعب اليهودي في الجلوس في مدينة أجداده." وأضاف: "نحن نعمل على تطوير الخليل والاستثمار فيها ونقل أهميتها إلى الأجيال القادمة. نحن نقول بصوت واضح – السيادة على الخليل أولاً"(33).
*يجب ضمّ الخليل إلى إسرائيل فوراً ..
ثم نذهب الى البروفيسور اليميني المتطرف آريه الداد- الذي كتب في صحيفة معاريف -2018-12-18 ينادي بالضم الفوري للخليل للسيادة الاسرائيلية فقال معبر عن افكار ومواقف قطاع واسع من اليمين:" قبل نحو شهر اعتزم بعض النواب من «ميرتس» (ميخال روزين) ومن القائمة المشتركة (ايمن عودة ودوف حنين) أن يعقدوا في الكنيست ندوة تحت عنوان «الخليل أولا – نخلي مستوطنة الخليل". تحفّز بعض نشطاء اليمين، وحركوا بعضاً من النواب، فأعلن رئيس الكنيست، يولي ادلشتالين، انه في اليوم الذي تقرر لعقد الندوة سيخطب في الكنيست رئيس تشيكيا، وعليه فيجب أن لا يعقد أي حدث آخر. يا للحظ أنه يوجد رئيس لتشيكيا، وهو يحبنا"(34)، ويضيف زاعما:" يؤسفني أن أعلن لأعداء إسرائيل من الداخل ولمساعديهم بأنهم ليسوا ابداعيين. ففي العام 1929 حاول المفتي الحاج امين الحسيني «انهاء النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني». وبروح تعليماته قتل عرب الخليل 67 يهودياً في «عربدة اجرامية»: اغتصبوا، قطعوا اطرافا، ذبحوا بعد تعذيب فظيع نساء واطفالا وشيوخا، احرقوا يهودا وهم احياء. بينهم كان أيضا بن تسيون غرشون، الصيدلي المقعد من عيادة هداسا، الذي عالج بتفان كل عرب الخليل أيضا. الجرحى ومن تبقوا على قيد الحياة تم اخلاؤهم الى القدس وكان العرب واثقين من أنهم نجحوا في تصفية الحاضرة اليهودية في الخليل، التي كانت منذ مئات السنين وكانت تعد يوم المذبحة 800 نسمة"(35).
ويردف مضللا:"عندما «حُررت» الخليل في «الأيام الستة»، علق كل سكانها أعلاما بيضاء على نوافذهم وكانوا واثقين من ان اليهود سيثأرون. هذا لم يحصل. الحاضرة اليهودية تجددت، واليوم يسكن في مدينة الاباء وفي كريات اربع المجاورة اكثر من 8 الاف يهودي. اذا لم ينجح المفتي في تصفية الحاضرة اليهودية في الخليل حين كانت الحكومة البريطانية تدعمه بالصمت وبتكثيف الأيدي فان ميخال روزين وايمن عودة لن ينجحا ايضا. ولكن حتى المحاولة «البرلمانية» لطرد يهود الخليل ليست جديدة. فقبل اكثر من عشر سنوات عندما كنت نائبا، فوجئت لرؤية مشروع قانون يوسي بيلين لاخلاء المواطنين الاسرائيليين من الخليل. وعلى الفور رفعت قانونا مشابها، بعد أن نسخت مشروع بيلين كلمة كلمة باستثناء كلمة «اسرائيليين» التي استبدلت بكلمة «عرب"، ان مشروع القانون لاخلاء الحاضرة اليهودية من الخليل يتخذ بالطبع في ايامنا قناعاً ملوناً من «الخطوة السياسية"(36).
ويختم مؤكدا:" ولكن هذه خطوة عنصرية، لاسامية، تدعو علناً الى «التطهير العرقي» للخليل من يهودها. المدينة الاولى في «بلاد اسرائيل» التي اشترى فيها أبونا ابراهيم قبل 4 الاف سنة ملكاً هو غارة الماكفيلا، وفيها تملّك داود لاول مرة – قبل سبع سنوات من ملكيته في القدس – يجب ان تكون في ايامنا هي الحاضرة اليهودية الأولى في «يهودا» و»السامرة» التي تضم إلى دولة اسرائيل، إذ هكذا يجب ان يكون ومن أجل ان تسد مرة واحدة والى الابد أفواه كارهي اسرائيل. الخليل أولا(37).
واخيرا، وليس آخرا جاء في مقال حمل عنوان « عاصمة إسرائيل الجديدة : الخليل « يوم 5/12/2018، على صفحات هآرتس العبرية، وبقلم أفنير غفرياهو« ان الخطة الحقيقية والواضحة لحكومة نتنياهو، أنها غير معنية بالتوصل إلى اتفاق تسوية مع الفلسطينيين، بل هي تريد تحويل الخليل إلى رمز لوضع يؤدي إلى عدم العودة عن الاحتلال، حكومة نتنياهو تريد تعزيز مشروع الاحتلال والاستيطان، حتى النقطة التي منها لا يمكن تنفيذ حل الدولتين".
"اسرائيل" تعزز سلطات المستوطنين اليهود في الخليل
وعلى خلفية كل هذا الزخم من النصوص السياسية والايديولوجية والتوراتية منحت السلطات الإسرائيلية الجيب الاستيطاني في وسط مدينة الخليل المحتلة في جنوب الضفة الغربية" سلطة إدارة شؤونه البلدية في إجراء يرى فيه مناهضو الاستيطان تعزيزا "للفصل العنصري" في المدينة. وقال الجيش "إنه وقع أمراً بتعزيز سلطات المستوطنين الذين كانوا يسيرون شؤونهم اليومية عبر مجلس يمثل ادارة محلية ولم تكن له صفة قانونية(38). مضيفا:"بموجب هذا الأمر، سيتم تشكيل مجلس يمثل سكان الحي اليهودي الاستيطاني في الخليل ويوفر خدمات بلدية لهم في مجالات مختلفة"(39).
ويسري القانون العسكري الإسرائيلي على المستوطنين اليهود ونحو 30 ألف فلسطيني يعيشون بالقرب من الجيب اليهودي.
وقالت حركة "السلام الآن” الإسرائيلية المعارضة للاستيطان "ان الأمر الجديد ليس مجرد أمر إجرائي"(40)، موضحة في بيان أنه "من خلال منح المستوطنين اليهود وضعا رسميا فإن الحكومة الإسرائيلية تشرع نظام الفصل العنصري في المدينة"(41). وقال وزير الدفاع الإسرائيلي-المستقيل- افيغدور ليبرمان "إنه أمر بإحداث التغيير في وضع مجلس المستوطنين وتعهد بأن يفعل المزيد من أجلهم"(42). وأضاف في بيان صادر عن مكتبه "إن تقوية المجتمع اليهودي في الخليل هو بالنسبة لي غاية في الأهمية، أنا مصمم على مواصلة تطوير الاستيطان حتى ينمو ويزدهر"(43).
الفلسطينيون :القرار الاخطر منذ عام1967
وفي رد فعلها على القرار حذرت الفصائل الفلسطينية من تداعيات قرار الحكومة الإسرائيلية القاضي بتشكل مجلس مستقل لإدارة شؤون المستوطنين في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة. وقالت حركة فتح "إن قرار حكومة الاحتلال تشكيل مجلس لإدارة شؤون المستوطنين في قلب مدينة الخليل هو أمر خطير جدا، ونسف لكل الاتفاقيات الدولية الموقعة، وتطبيقا عمليا لنظام عنصري، ومحاولة لترسيخ فصل قلب المدينة وبلدتها القديمة عن باقي المدينة، ومحاولة لتنفيذ مخطط التهويد للبلدة القديمة برمتها"(44). وبدوره وصف محافظ الخليل كامل حميد، قرار سلطات الاحتلال منح المستوطنين في المدينة سلطة إدارة شؤونهم "بأنه الأخطر منذ عام 1967."(45)، وأضاف حميد في تصريحات للإذاعة الفلسطينية، أن "هذا القرار هو تمهيد من أجل اقتطاع وفرض السيادة الإسرائيلية، وعرقلة أي تسوية سياسية في المنطقة، وهو ما يتنافى مع كل ما يدور حول عملية السلام، واقامة دولة فلسطينية"(46). وحذر حميد من تداعيات هذا القرار مستقبلا، بقوله: سيؤدي هذا القرار إلى حالة إرباك، وفوضى، وسيهدد النظام والاستقرار في كافة محافظات الوطن، ونحن ننظر بخطورة بالغة لهذا القرار، وهناك ضرورة عاجلة للتحرك السياسي والدبلوماسي، والقانوني"(47).
وأشار إلى أن "سلطات الاحتلال مهدت لهذا القرار منذ سنوات طويلة بالعمل على عزل السكان بشتى الطرق، لينعم المستوطنون بكافة الخدمات بقوة السلاح"(48)، موضحا أن هذا القرار سيدفع ثمنه 40 ألف فلسطيني يعيشون في تلك المنطقة، بالإضافة إلى سكان المدينة البالغ عددهم 250 ألف مواطن، مطالبا المجتمع الدولي بالعمل على وقف هذا القرار"(49).
وهكذا ، واستناداً إلى زخم الأدبيات الأيديولوجية الدينية والسياسية والاستراتيجية الصهيونية – الإسرائيلية الواردة أعلاه وغيرها الكثير الكثير ، نقرأ حقيقة ناصعة ملموسة مفادها :
أن هناك إجماعاً سياسياً استراتيجياً إسرائيلياً يمتد من الحائط إلى الحائط حول أهمية ومركزية الاستيطان اليهودي في أنحاء فلسطين المحتلة بشكل عام ، وأهميته ومركزيته في مدينتي القدس والخليل بشكل خاص .
وكما قرأنا في الأمثلة سابقة الذكر فإن معسكرات اليمين والوسط واليسار في دولة الاحتلال الإسرائيلي تـقف وراء مشروع الاستيطان اليهودي ، وفي مدينة الخليل بشكل خاص ، الأمر الذي ترجمته السلطات الإسرائيلية والتنظيمات اليهودية الاستيطانية بسلسلة من المشاريع والحملات الاستيطانية المسعورة على أرض الخليل .