اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. دانييلا القرعان : إلى متى سنظل نلعن سايكس وبيكو؟

د. دانييلا القرعان : إلى متى سنظل نلعن سايكس وبيكو؟
أخبارنا :  

كلما تعثرت أقدامنا في حفرة، قلنا سايكس وبيكو، وكلما اشتعل نزاع، أو ضاعت فرصة، أو فشلت دولة في إدارة شؤونها، خرج الرجلان من قبريهما ليُحمَّلا مسؤولية ما جرى وما سيجري، كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة التي انحنى فيها قلم على خريطة المشرق قبل أكثر من قرن.


لا أحد يدافع عن سايكس وبيكو، ولا أحد ينكر أن الاتفاقية كانت تعبيراً صارخاً عن منطق القوة والاستعمار وتقاسم النفوذ، لكن ما يدعو إلى التأمل أن الرجلين نجحا في تحقيق انتصار ولم يكونا يحلمان به؛ فبعد مئة عام من رحيلهما نحن ما زلنا نمنحهما سلطة تفسير حاضرنا ومستقبلنا، وكأننا لم نكتب لو صفحة واحدة من تاريخنا بأيدينا.


رسم سايكس وبيكو خطوطاً على الورق مهما كانت تشبه، لكنهما لم يرسما موازناتنا العامة، ولم يديرا مدارسنا أو جامعاتنا، ولم يختارا مسؤولينا، لم يكتبا سياساتنا الاقتصادية، لم يقررا كيف نتعامل مع العلم والعمل والإنتاج، هناك مساحة واسعة بين جريمة الأمس ومسؤولية اليوم، في هذه المساحة يكمن الفرق بين أمة تصنع مستقبلها وأمة تبحث دائماَ عن شماعة تعلق عليها إخفاقاتها.


ثم إن الوطن، في جوهره، ليس خطاً على خريطة، الوطن ليس السلك الشائك الذي يفصل بين نقطتين حدوديتين، وليس الختم الذي على جواز السفر، وليس الإحداثيات التي تحفظها الأقمار الصناعية، الوطن هو أم تجلس على شرفة بيتها تنتظر أبناءها، وهو رائحة الخبز في الصباح، وهو أسماء القرى التي نحملها في ذاكرتنا أينما ذهبنا، وهو المقبرة التي ينام فيها الآباء والأجداد، ولهجة الناس وذكريات الطفولة وأغاني الأفراح وأحزان الوداع، الوطن يسكن في الناس قبل أن يسكن في الجغرافيا، لهذا فإن رفض ما خطه سايكس وبيكو لا يعني أن نبقى أسرى اللوحة التي رسماها، ولا يعني أن نقف كل صباح أمامها لنبصق عليها ثم نعيد تعليقها في المكان نفسه.


إذا كنا حقاً نرفض ما صنعه الرجلان، علينا أن نمتلك الجرأة على تجاوزهما، علينا أن نخلق - لو في خيالنا أولاً - ما ينتقم لنا منهما، كأن نرسم نحن خرائطنا الجديدة؛ خرائط علم بدل جهل، وتنمية بدل تبعية، وتكامل بدل تناحر، ومستقبل بدل اجترار ماضي، لأن الأمم لا تثأر من التاريخ بالبكاء عليه، بل بصناعة تاريخ جديد يجعل أخطاء الأمس هامشاً في كتاب الإنجازات.


نعم، مضى على سايكس وبيكو أكثر من قرن، ونحن ما زلنا نعيش معهما، نستدعيهما في الخطب والمقالات والحوارات، ونمنحهما من الحضور ما لم ينله كثير من أبطال تاريخنا، لربما آن الأوان أن نودعهما أخيراً، ليس غفراناً لهما ولا نسياناً لما فعلاه، بل لأن الأمم الحية لا تبقى واقفة عند المقابر، بل تحترم التاريخ، وتتعلم منه، ثم تمضي، أما الذين يواصلون السير إلى الخلف وهم يحدقون في الماضي، فهم لن يصلون إلى المستقبل أبداً، اللهم أني قد بلغت.


مواضيع قد تهمك