اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

البروفيسور يوسف العساف : الذكاء الاصطناعي التوكيلي (Agentic AI) في العمل الحكومي

البروفيسور يوسف العساف : الذكاء الاصطناعي التوكيلي (Agentic AI) في العمل الحكومي
أخبارنا :  

في كل مرحلة من مراحل التطور الحكومي، كانت التكنولوجيا حاضرة لتسريع العمل، وتقليل الجهد، ورفع كفاءة الأداء. بدأنا بالحواسيب لأتمتة المهام، ثم انتقلنا إلى التحول الرقمي لتبسيط الخدمات، وبعدها ظهر الذكاء الاصطناعي التوليدي ليساعدنا على إنتاج المحتوى، وتحليل البيانات، وتلخيص المعلومات. واليوم، نقف أمام مرحلة جديدة أكثر عمقًا وتأثيرًا: عصر الذكاء الاصطناعي التوكيلي (Agentic AI).


الفرق الجوهري بين الذكاء الاصطناعي التقليدي والذكاء الاصطناعي التوكيلي أن الأول ينتظر الأوامر، بينما الثاني يسعى لتحقيق الأهداف. فهو لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة أو تنفيذ التعليمات، بل يستطيع التخطيط، واتخاذ المبادرات، والتنسيق بين الأنظمة المختلفة، وتنفيذ سلسلة من الإجراءات للوصول إلى نتيجة محددة، وكأنه "وكيل رقمي" يعمل ضمن فريق المؤسسة.


تخيّل موظفًا رقميًا في جهة حكومية يُكلَّف بهدف واضح: تقليل مدة إصدار التراخيص بنسبة 30%. لا يكتفي هذا الوكيل الذكي بإعداد تقرير عن الوضع الحالي، بل يبدأ بتحليل الإجراءات، واكتشاف نقاط الاختناق، والتواصل مع الأنظمة المختلفة، واقتراح الحلول، وربما تنفيذ بعض التعديلات التشغيلية ضمن الصلاحيات الممنوحة له. هنا لا نتحدث عن أداة، بل عن شريك رقمي في العمل الحكومي.


هذا التحول يحمل إمكانات هائلة للحكومات؛ فبدلًا من أن يظل الذكاء الاصطناعي مجرد داعم للموظف، يمكن أن يصبح جزءًا من منظومة التنفيذ نفسها. يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي متابعة مؤشرات الأداء بشكل مستمر، ورصد المشكلات قبل وقوعها، والتنسيق بين الجهات الحكومية، والاستجابة الاستباقية لاحتياجات المتعاملين، بما يرفع كفاءة الخدمات ويعزز سرعة اتخاذ القرار.


وفي مجال السياسات العامة، يستطيع هؤلاء الوكلاء تحليل كميات ضخمة من البيانات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وبناء سيناريوهات مستقبلية متعددة، وتقديم توصيات مدعومة بالأدلة لصناع القرار. كما يمكنهم محاكاة أثر السياسات قبل تطبيقها، بما يقلل المخاطر ويرفع جودة القرارات الحكومية.


لكن، كما هو الحال مع كل تقنية مؤثرة، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإمكانات التقنية وحدها، بل في الحوكمة والمسؤولية. فالوكيل الذكي قد يكون قادرًا على اتخاذ إجراءات وتنفيذ مهام، لكن من يتحمل مسؤولية قراراته؟ ومن يضمن توافقها مع القيم المجتمعية والتشريعات الوطنية؟ وكيف نمنع الانحياز أو الأخطاء أو سوء الاستخدام؟


لهذا، فإن نجاح الذكاء الاصطناعي التوكيلي في القطاع الحكومي يتطلب بناء أطر واضحة للحوكمة، وتحديد مستويات التفويض والصلاحيات، وضمان بقاء الإنسان في دائرة الإشراف والمساءلة. فالتكنولوجيا، مهما بلغت من الذكاء، لا تملك ضميرًا، ولا تتحمل مسؤولية أخلاقية أو قانونية.


لقد اعتدنا أن ننظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداةً تعين الموظف على أداء عمله. أما في عصر الذكاء الاصطناعي التوكيلي، فإن السؤال لم يعد: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح: كيف ندير فريقًا جديدًا يضم بشرًا ووكلاء رقميين يعملون معًا لتحقيق الصالح العام؟


فالمستقبل الحكومي لن يقوم على استبدال الإنسان بالآلة، بل على بناء شراكة واعية تجمع بين حكمة الإنسان وسرعة الآلة، وبين القيم البشرية والقدرات الرقمية. وفي هذه الشراكة تكمن الفرصة الحقيقية لبناء حكومات أكثر رشاقة، وأكثر استباقية، وأكثر قربًا من احتياجات الإنسان.


فالذكاء الاصطناعي التوكيلي ليس مجرد تطور تقني جديد، بل خطوة نحو الحكومة المُدركة (Cognitive Government)؛ تلك الحكومة القادرة على الاستشعار، والفهم، والتعلّم، والتكيّف المستمر، عبر توظيف البيانات والذكاء الاصطناعي والبصائر السلوكية، بما يمكّنها من تقديم خدمات وسياسات أكثر استباقية وفاعلية وتمحورًا حول الإنسان.


إنها حكومة تستطيع أن تفكر، وتتعلّم، وتتحرّك بذكاء أكبر. لكن نجاح هذه الرحلة سيبقى مرهونًا بقدرتنا على أن نجعل هذه العقول الرقمية تعمل وفق قيمنا، وتحت سيطرتنا، وبوعي إنساني مسؤول.


مواضيع قد تهمك