حدائق جديدة بالأردن.. هل تنجح خطط الحماية والاستدامة؟
فرح عطيات
عمان – تعود فكرة الحدائق العامة في المدن الأردنية إلى بدايات تشكّل النسيج الحضري الحديث، حين ارتبطت المساحات الخضراء بمفهوم "المتنفس العام" أكثر من ارتباطها بالتخطيط البيئي طويل الأمد.
ومع اتساع المدن، وتراجع نصيب الفرد من المساحات المفتوحة، بقيت الحدائق تُدار غالباً بوصفها مشاريع خدمية مرتبطة بالتجميل الحضري، لا باعتبارها جزءاً من البنية التحتية الحيوية للمدينة، غير أن الإعلان الحكومي الأخير عن إنشاء حدائق عامة جديدة، من بينها "حديقة النشامى"، أعاد فتح النقاش حول السؤال الأعمق: كيف يمكن حماية هذه المساحات وضمان استمرارها بعد سنوات من الافتتاح والاحتفاء الرسمي؟
يحضر هذا السؤال في وقت تواجه فيه المدن الأردنية ضغوطاً عمرانية متسارعة، إلى جانب تحديات مائية ومالية تجعل أي مساحة خضراء عرضة للتراجع أو الإهمال إذا غابت الرؤية المستدامة لإدارتها.
فالتجارب السابقة أظهرت أن إنشاء الحدائق لا يكفي وحده لصناعة أثر حضري طويل الأمد، إذ إن كثيراً من المساحات العامة فقدت وظيفتها تدريجياً بسبب ضعف الصيانة، أو غياب الحماية القانونية، أو تحوّلها لاحقاً إلى مواقع استثمارية وتجارية على حساب بعدها البيئي والاجتماعي.
وتكشف التحولات الحديثة في تخطيط المدن عالمياً أن الحدائق لم تعد مجرد أماكن للترفيه، بل أدوات لتحسين الصحة العامة، وتقليل آثار التغير المناخي، وتعزيز الترابط الاجتماعي داخل الأحياء السكنية، وفق خبراء في مجالات البيئة والابتكار والتخطيط الحضري.
لهذا، يرتبط نجاح المشاريع الجديدة بقدرة البلديات والمؤسسات الرسمية على بناء نموذج إدارة مستدام يوازن بين التمويل، والحماية التشريعية، والمشاركة المجتمعية، والتقنيات الحديثة في الصيانة والرصد، وفق قولهم.
الملكية المجتمعية
بدأ الأردن يشهد خطوات ملموسة من قبل الجهات المعنية لإنشاء حدائق عامة، لكن نجاحها لا يقاس "بعددها فقط"، بل بقدرتها على الاستمرار "لعقود"، وتحقيق "قيمة" اجتماعية وبيئية مستدامة، وفق خبير إدارة المدن والتخطيط الحضري م. فوزي مسعد.
ويبدأ ذلك، وفق مسعد، من التصميم والإنشاء "الصحيح" باستخدام مواد عالية "الجودة"، و"قليلة" التكلفة التشغيلية، و"طويلة العمر"، بما يقلل الحاجة للصيانة المتكررة.
وأكد أن اختيار المزروعات المحلية والمتأقلمة مع المناخ الأردني "أمر أساسي"، بحيث تكون قليلة الاستهلاك للمياه، ولا تحتاج إلى عناية مكثفة، أو كلف تشغيل مرتفعة، مع استخدام أنظمة ري ذكية وإعادة استخدام المياه المعالجة متى أمكن.
وأضاف أن الحماية "الحقيقية" للحدائق لا تتحقق فقط عبر "الرقابة أو القوانين"، بل من خلال إشراك المجتمع المحلي منذ البداية، بحيث يشعر السكان المحيطون بأن الحديقة "جزء منهم وليست ملكا عاما مجهول المسؤولية".
فالمبادرات المجتمعية، ومشاركة المدارس والجمعيات والأحياء السكنية في الزراعة والأنشطة، تعزز ما يمكن تسميته بـ"الشعور بالملكية المجتمعية"، وهو ما يحد كثيرا من "الاعتداءات والتخريب"، بحسبه.
ودعا إلى ضرورة وجود إدارة تشغيل واضحة تشمل "الأمن، والنظافة، والصيانة الدورية، والرقابة بالكاميرات، وتنظيم الأنشطة"، بحيث تبقى الحديقة "حية وآمنة وليست مساحة مهملة".
اختيار الموقع
ولعل اختيار موقع الحديقة هو "العامل الأهم" في نجاحها، فالحدائق يجب أن تكون في مناطق ذات "كثافة سكانية مرتفعة"، أو مناطق تعاني "نقصًا في المساحات العامة"، وأن تكون سهلة الوصول عبر المشي ووسائط النقل العام، مع توفير مواقف سيارات كافية لتجنب استحداث اختناقات مرورية، أو إزعاج للأحياء المجاورة.
ويرى مسعد أن حجم الحديقة ومرافقها يجب أن يرتبط بالطاقة الاستيعابية المتوقعة، بحيث تتوزع الأنشطة والمساحات بشكل يمنع "الاكتظاظ أو تدهور المرافق"، فهناك فرق بين حدائق الأحياء الصغيرة، والمتنزهات الإقليمية الكبيرة التي تستقبل أعدادًا ضخمة.
ومن المهم، في رأيه كذلك، اعتماد دراسات مسبقة لحركة الزوار، والفئات العمرية المستهدفة، وطبيعة الاستخدام (رياضة، عائلات، أطفال، فعاليات)، وعدم الاكتفاء بتخصيص قطعة أرض دون دراسة حضرية حقيقية وبرنامج الحديقة، ما يساهم في تحديد المكونات الرئيسية وأهمية توفيرها.
وأضاف أن التوزيع العادل للحدائق داخل المدن مهم جدًا، بحيث لا تتركز في مناطق معينة وتحرم مناطق أخرى، لأن "العدالة المكانية" عنصر أساسي في جودة الحياة داخل المدن الحديثة.
ونوه إلى أن أحد أكبر "أخطاء التخطيط" يتمثل في إنشاء الحدائق دون التفكير "بتكلفة تشغيلها مستقبلًا"، لذلك يجب منذ البداية تصميم حدائق "منخفضة التكلفة التشغيلية" تعتمد على مواد مستدامة، وإنارة موفرة للطاقة، وزراعة قليلة الاحتياج للمياه والصيانة.
ودعا إلى تبني نماذج تمويل مبتكرة بدل الاعتماد الكامل على موازنات البلديات، مثل الشراكة مع القطاع الخاص ضمن ضوابط واضحة، وتنفيذ برامج تبنّي الحدائق من الشركات الكبرى ضمن مسؤوليتها المجتمعية.
ومن بين دعواته كذلك، السماح ببعض الأنشطة المدروسة غير المزعجة مثل الأكشاك أو الفعاليات المنظمة، بحيث تخصص عوائدها مباشرة للصيانة، وإنشاء صناديق محلية لدعم المساحات العامة.
لكنه شدد على أن أي استثمار مالي داخل الحدائق يجب أن يبقى "خادما للوظيفة العامة" للمكان لا "مسيطرا عليها"، كي لا تتحول الحديقة تدريجيًا إلى "مشروع تجاري يفقدها بعدها الاجتماعي والبيئي".
وأشار إلى أن حماية الحدائق تحتاج إلى حماية "تشريعية ومؤسسية"، بحيث تصنف فراغات حضرية عامة ومساحات خضراء "محمية"، لا يجوز تغيير استعمالاتها "بسهولة"، أو بقرار إداري "عابر".
واقترح أن يتم ربطها ضمن المخططات الشمولية والتنظيمية للمدن باعتبارها جزءًا من البنية التحتية الحضرية الأساسية، تمامًا كالشوارع وشبكات المياه، وليس كأراضٍ احتياطية قابلة للاستثمار لاحقًا.
وحث كذلك على وجود حد أدنى لنصيب الفرد من المساحات الخضراء حسب المتطلبات العالمية والممارسات الفضلى بحيث يتم الالتزام به على مستوى المدن، ويصبح إزالة أي حديقة "قرارًا يمس جودة الحياة، والصحة العامة، والتوازن البيئي"، و"مخالفا" لتوجهات رؤية التحديث الاقتصادي الخاصة بالتخطيط الحضري.
وأنهى حديثه بالقول بأن الحدائق ليست "كماليات أو مساحات فارغة"، بل هي استثمار طويل الأمد في "صحة الناس، والتماسك الاجتماعي، والبيئة، وجودة الحياة".
وأضاف أن المدن الناجحة لا تقاس فقط بالأبراج والطرق، بل بقدرتها على توفير فضاءات عامة إنسانية تحفظ كرامة الإنسان وحقه في المدينة.
دور الذكاء الاصطناعي
وفي رأي الخبير في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات وصفي الصفدي، فإن الحديقة العامة التي لا يُرى فيها أحد، ولا يُبلَّغ عن مشكلاتها إلا حين "تتفاقم"، تكون في طريقها إلى "الإهمال ثم الإزالة"، وهذه هي نقطة البداية الحقيقية لفهم دور الذكاء الاصطناعي في الاستدامة ليس كأداة "للبهرجة التقنية"، بل كنظام يجعل الحديقة "مرئية" لمديريها في كل لحظة.
وهنالك عدة خطوات لتحقيق ذلك، والتي يجملها الصفدي بما يسمى "الرصد المباشر للحالة البيئية"، وذلك عبر أنظمة الري الذكية التي تعتمد على بيانات الرطوبة الفعلية في التربة ومعطيات الطقس المتوقع والتي باتت معياراً في كثير من مدن الخليج.
وضرب مثالاً على ذلك بمدينة دبي التي وثّقت في تقاريرها أن هذه الأنظمة خفّضت استهلاك المياه في حدائقها العامة بنسبة تصل إلى 40 % مقارنة بالري التقليدي، وفي السياق الأردني، حيث المياه "شُح وليست رفاهية"، فهذا الرقم يعني "فرق بقاء أو انهيار لمنظومة التشجير".
ومن بين الإجراءات الأخرى، التي تحدث عنها الصفدي، المستشعرات الموزعة في التربة والتي تنبّه الفِرق الميدانية قبل أن "يجفّ الشجر لا بعده".
هذا النوع من الاستباقية، كما وصفه، هو ما يميّز "الإدارة الذكية عن تلك التقليدية" القائمة على الجولة اليومية للعامل، حيث تعد الأتمتة مع المستشعرات الذكية عاملا أساسيا في الحفاظ على النباتات "صحية"، ويمتد ذلك للتسميد وفحص الآفات أيضا.
إنترنت الأشياء
وأما الخطوة الثانية، فتكمن بحسب الصفدي، في إدارة الصيانة بالبيانات، وباستخدام نظام إنترنت الأشياء المرتبط بمنصة إدارة مركزية، لتوليد جداول صيانة تنبؤية بدلاً من الانتظار حتى تتعطل المعدات أو يجفّ النبات.
ومن الدول التي تستخدم مثل هذا النظام مدينة سنغافورة التي طبّقت هذا النهج في حدائقها القومية عبر منصة "City in a Garden"، بحيث تُحلَّل بيانات 80,000 شجرة بشكل دوري لتحديد أشجار تحتاج تدخلاً قبل أن "تُشكّل خطراً"، تبعاً له.
وفي الأردن، يرى الصفدي أن التحدي الفعلي يتمحور في أن كثيراً من البلديات لا تملك "سجلاً رقمياً" حتى بأعداد الأشجار في حدائقها، لذلك يجب أن تعمد إلى التوثيق الرقمي عبر نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، ثم إضافة طبقة الذكاء الاصطناعي فوقها.
وحول الخطوة الثالثة فيلخصها بأنها "بناء المجتمع كعامل استدامة"، وهذا يتم بإنشاء تطبيقات الإبلاغ المجتمعي التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، والتي تحوّل المواطنين إلى شركاء رصد. ولفت إلى أن هذا النموذج معتمد في المملكة المتحدة وأُعيد تكييفه في عدة مدن عربية، والذي يتيح للمواطن تصوير مشكلة في الحديقة وإرسالها مع إحداثياتها مباشرة إلى الجهة المختصة.
وشدد على أن النظام يصنّف البلاغات أوتوماتيكياً ويحدد أولوية التدخل، وعمّان تملك بنية تحتية رقمية كافية لتطبيق هذا اليوم، لكن "الإرادة المؤسسية تبقى المتغير الغائب".
مواجهة الاعتداءات
وفي شأن الاعتداء على الحدائق في الأردن فإنه يأخذ عادةً ثلاثة أشكال، عرضها الصفدي بـ"البناء العشوائي" على أطرافها، و"قطع الأشجار أو إتلافها ليلاً"، و"الاستيلاء التدريجي" على مساحاتها لأغراض مختلفة.
وقدم حلولاً لمواجهة هذه المشكلة من خلال "المراقبة الذكية بالكاميرات"، ولأن الكاميرات وحدها "لا تحمي"، فإن ثمة حاجة لتلك المرتبطة بأنظمة "رؤية حاسوبية" تكتشف تلقائياً السلوكيات "غير الاعتيادية" مثل دخول شخص إلى منطقة مغلقة ليلاً، أو حركة آليات ثقيلة على الأطراف، أو تشويهات، أو حرائق وتُطلق تنبيهات فورية.
ومن بين الحلول الأخرى، التي أوردها، "الرصد بالأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة"، باستخدام أدوات مثل (Google Earth)، و(ESA's Copernicus) التي تتيح مقارنة صور الأقمار الاصطناعية على مدى زمني لاكتشاف التغييرات في الغطاء النباتي أو الحدود.
ونوه إلى أن هذه الأدوات "مجانية جزئياً"، وتستخدمها منظمات بيئية في المغرب ومصر لرصد التعدي على الأراضي الخضراء، ولذلك فإن البلديات في الأردن تستطيع تفعيل هذا الرصد بتكلفة منخفضة نسبياً.
كما أن الطائرات المسيّرة المبرمجة تُجري جولات دورية وتُصدر خرائط حرارية للغطاء النباتي تكشف الجفاف الموضعي، أو الإتلاف المتعمد في "وقت مبكر"، وتبعث تقارير فورية ولحظية لدائرة المراقبة، وفي حال تحديد "خطر اعتداء"، تقوم بإبلاغ أقرب دورية بيئة مرفق بها الموقع الجغرافي مع التصوير للتدخل الفوري.
ويعد ما يسمى "بالسياج الجيوفيزيائي الرقمي" من بين الحلول، والذي يحدد حدود الحديقة رقمياً بدقة، وربطها بمنظومة إنذار يعني أن أي تجاوز لهذه الحدود من قِبَل معدات ثقيلة، أو مركبات مرتبطة بأنظمة تتبع يُولّد تنبيهاً تلقائياً.
ودعا إلى استخدام "التوثيق القانوني الرقمي"، لأن أي نقاش عن الحماية التقنية يبقى منقوصاً دون توثيق قانوني رقمي للحدود.
وأضاف أن ربط الخرائط الرقمية بسجل عقاري موثّق في منظومة الخرائط الجغرافية الوطنية للمركز الجغرافي الأردني، يجعل التعدي "موثّقاً تلقائياً ويسهّل الملاحقة القانونية"، وهذا ما يجعل الحديقة "محميةً على الورق، فعلياً لا شكلياً".
الدور الحكومي
وحول الإجراءات الحكومية الواجب اتخاذها أكد الصفدي على أن التقنية تعد أداة تمكينية للمؤسسة لكنها هي التي تضمن تطبيقها واستدامتها، فالتجارب الأكثر نجاحاً عالمياً تجمع بين الاثنين، وفي الأردن تحديداً، ثمة إجراءات ذات أولوية واضحة.
وهذه الإجراءات، في رأيه، تبدأ بالتشريع والحماية القانونية الصريحة، إذ إن القانون الأردني الحالي لا "يُجرّم التعدي" على الحدائق العامة بشكل "صريح وكافٍ" لردع وتجريم المعتدين رغم تجريم قطع الأشجار، والثروة الوطنية الحرجية المعمول به من فترة.
ولذك لفت إلى أن الأمر يحتاج إلى نص قانوني يُحدد "عقوبات مشددة" على إزالة، أو تقليص مساحة الحديقة العامة، مع اشتراط إجراء دراسة أثر بيئي، وموافقة مجلسية قبل أي تغيير في تصنيف أرض الحديقة.
وحث على تطبيق التسجيل الرقمي الإلزامي وربطه بالسجل العقاري، فكل حديقة عامة يجب أن تحمل ملفاً رقمياً موثّقاً لدى دائرة الأراضي والمساحة يتضمن الحدود الدقيقة، وتاريخ الإنشاء، وتصنيفها كملك عام غير قابل للتصرف، وهذا يُغلق الباب أمام الاجتهادات الإدارية التي فتحت الباب لإزالة مساحات خضراء في الماضي، بحسبه.
ولا بد أن يرافق ذلك نقل إدارة بعض الحدائق إلى نماذج مشاركة مجتمعية، فتجربة أمانة عمّان في بعض الحدائق الصغيرة مع الجمعيات المحلية بدأت "بخطوات متعثرة"، لكن نموذج "حديقة المجتمع المُدارة" الذي نجح في عدة أحياء في إسطنبول وبيروت يُثبت أن المجتمع المحلي حين يشعر بالملكية يُصبح أكثر الحراس "فاعلية".
ولا يقتصر الأمر على ذلك، فلا بد، وفق الصفدي، بناء قدرات البلديات، إذ إن معظم تلك التي تقع خارج العاصمة عمّان "تفتقر" إلى كوادر "مؤهلة" للتعامل مع أنظمة الإدارة الرقمية، وبرامج التأهيل المرتبطة بصندوق دعم البلديات، أو بالتعاون مع الجامعات الأردنية وهو التعاون الذي يعد "ضرورة عملية لا ترفا".
الحل التقني لا يكفي
ولكن الصفدي يؤكد أن الذكاء الاصطناعي والابتكار وحدهما لا يكفيان لضمان الحماية والاستدامة، لأن الوقوع في "وهم الحل التقني وحده" هو أحد أكثر "الأخطاء شيوعاً" في نقاشات التحديث المؤسسي.
واستند في رأيه بأن الذكاء الاصطناعي يرصد، ويُنبّه، ويُوثّق، ويُحسّن الكفاءة التشغيلية، لكنه لا يُنفّذ "قراراً قانونياً"، ولا يمنع مسؤولاً من توقيع "قرار إزالة"، ولا يبني ثقافة مجتمعية "تُقدّر المساحة الخضراء".
فالتجربة الأكثر واقعية تُوضح ثلاثة شروط لا بد أن تجتمع معاً، والتي ذكرها بأنها الإرادة المؤسسية فسنغافورة نجحت في تحويل مدينة شبه منعدمة الخضرة إلى "مدينة في حديقة" ليس لأنها امتلكت أفضل التقنيات، بل لأن الخضرة الحضرية أصبحت هدفاً وطنياً مُدرجاً في خطة التنمية العليا مع تخصيص موازنات ثابتة وقيادة تنفيذية مساءَلة.
وحول الشرط الثاني لخصه بالثقافة المجتمعية، فالحديقة يراها المواطن ملكاً مشتركاً يستحق الدفاع عنه، فهي أكثر أماناً من حديقة مُسوَّرة بعشرين كاميرا.
ويعد نموذج التمويل المستدام، شرطاً ثالثاً، فالحدائق التي تعتمد كلياً على الموازنة الحكومية هي الأكثر عرضة "للإهمال حين تشتد الضائقة المالية"، كما ذكر.
وبين أن نماذج التمويل المختلط التي تجمع بين الموازنة العامة، والرسوم الرمزية على الفعاليات، والشراكات مع القطاع الخاص لتشغيل مرافق الطعام أو الأنشطة، "تخلق مصدر دخل يُغطي جزءاً من تكاليف الصيانة، ويُقلل هشاشة الحديقة أمام قرارات الإنفاق الحكومي".
تشريعات الحماية
وفي الجانب القانوني والتشريعي، فإن حماية الحدائق العامة والمساحات الخضراء ليست مجرد "رفاهية"، بل هي "ضرورة بيئية، صحية، واجتماعية" لحفظ حقوق الأجيال القادمة، وفق المحامية المتخصصة بسياسات وقضايا وتشريعات البيئة إسراء الترك.
وتقسم الترك رؤيتها القانونية في ذلك إلى ثلاثة محاور رئيسية، أبرزها الإجراءات القانونية الواجب اتخاذها لحماية الحدائق العامة من أي اعتداءات مستقبلية (سواء كان اعتداءً بالبناء، أو تغيير الصفة الاستعجالية، أو التخريب، أو الاستغلال التجاري الجائر).
وتكمن هذه الاجراءات بفي حصانة التخصيص (الحماية الدستورية أو التشريعية العليا)، إذ يجب إضفاء صفة "المنفعة العامة الدائمة" على الحدائق، بحيث لا يجوز إلغاء تخصيصها، أو نقل ملكيتها إلا في حدود ضيقة جداً، ولأغراض تفوقها أهمية وبموافقة سلطة تشريعية عليا (وليس بقرار إداري محلي).
وأضافت أنه لا بد من اللجوء الى التسجيل العقاري الصارم، أي تسجيل جميع الحدائق العامة في دوائر الأراضي وأملاك الدولة كـ"أملاك عامة غير قابلة للتصرف، أو البيع، أو الحجز، أو السقوط بالتقادم".
ودعت إلى تفعيل "الأثر البيئي" المسبق، أي إلزامية إعداد دراسة تقييم أثر بيئي واجتماعي معقدة، ومستقلة قبل إقرار أي مشروع استثماري أو تطويري يمس الحدائق العامة أو يقع بالقرب منها.
مقترحات للقوننة
ولفتت إلى ضرورة قوننة "حق المواطن" في التقاضي لحماية البيئة والمرافق العامة (الدعوى الحسبية أو دعوى المصلحة العامة)، بحيث يحق لأي مواطن أو جمعية بيئية رفع قضية لوقف أي اعتداء دون الحاجة لإثبات ضرر شخصي مباشر.
ولضمان الفعالية، اقترحت الترك عدم الاكتفاء بقانون واحد، بل يجب زرع هذه النصوص في منظومة تشريعية متكاملة تقع ضمن قانون العقوبات (جنايات وجنح الاعتداء على الأملاك العامة).
وذلك الأمر، يتم بحسبها، بإدراج باب أو فصل خاص تحت مسمى "الجرائم الواقعة على البيئة والمساحات الخضراء" يتضمن النصوص التالية: "يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن [مثلاً: سنة] وبغرامة مالية باهظة كل من خرب، أو قطع، أو أتلف أشجاراً أو مرافق في حديقة عامة. وتضاعف العقوبة إذا كان الاعتداء بغرض الاستيلاء أو التوسع العمراني الشخصي، مع إلزام الفاعل بإعادة الحال إلى ما كان عليه على نفقته الخاصة".
ومن المواد التي اقترحتها، "تُعد جريمة كبرى إساءة استعمال السلطة أو التزوير لإصدار تراخيص بناء أو استثمار داخل حرم الحدائق العامة خلافا للمخططات التنظيمية، ويُعاقب الموظف المسؤول بالعزل من الوظيفة والسجن".
كما اقترحت أيضا نصاً يقضي بأنه "يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن [مثلاً: سنة] وبغرامة مالية باهظة كل من خرب، أو قطع، أو أتلف أشجاراً أو مرافق في حديقة عامة، وتضاعف العقوبة إذا كان الاعتداء بغرض الاستيلاء أو التوسع العمراني الشخصي، مع إلزام الفاعل بإعادة الحال إلى ما كان عليه على نفقته الخاصة".
وفي قانون البيئة، من النصوص التي اقترحتها الترك: "تعتبر الأشجار المعمرة والمساحات الخضراء داخل المدن إرثاً بيئياً وطنياً، ويُحظر قطعها أو نقلها إلا لأسباب صحية أو وقائية قاهرة، وبموافقة لجنة عليا مشكلة من وزارة البيئة وجمعيات النفع العام المختصة".
وفي رأيها تظل النصوص القانونية "حبراً على ورق" ما لم تدعمها آليات تنفيذية "صارمة" على أرض الواقع، وحددتها بآليات الرقابة والحماية الميدانية عبر إنشاء أو تفعيل جهاز "الشرطة البيئية" الذي يمتلك أفراده صفة الضابطة القضائية، ويكون متواجداً بشكل دائم أو عبر دوريات منتظمة داخل الحدائق الكبرى لضبط المخالفات فوراً.
ومن الآليات المقترحة كذلك، تزويد الحدائق العامة بشبكة كاميرات مراقبة متطورة مرتبطة بغرف تحكم مركزية للكشف المبكر عن أعمال التخريب، أو محاولات التعدي وسرقة الممتلكات العامة.
وأما الآليات الإدارية والمالية فتكمن، كما ذكرت، بإنشاء صندوق مالي مستقل تتم تغذيته من ريع المخالفات البيئية المطبقة، ونسبة من رسوم رخص البناء في المدن، ويُخصص هذا الصندوق حصراً للصيانة، والتشجير، وتطوير الحماية الأمنية للحدائق.
وأما الآليات القضائية (الردع السريع)، فلا يمكن أن تكون إلا عبر دوائر قضائية بيئية متخصصة، وتخصيص قضاة أو نيابة عامة متخصصة بالقضايا البيئية، وقضايا الأملاك العامة لضمان سرعة البت في القضايا (الردع الناجز)، بحيث لا تستغرق قضايا الاعتداءات سنوات في المحاكم، بينما يكون الضرر قد تفاقم على الأرض، تبعا للترك.
وشددت على إلزامية إزالة التعدي الفوري من خلال منح الحاكم الإداري أو رئيس البلدية صلاحية إزالة أي تعد أو بناء داخل الحديقة العامة بـ"الطريق الإداري وفوراً" على نفقة المعتدي، دون انتظار صدور الحكم القضائي النهائي في أصل النزاع (الحماية الاستعجالية).
ــ الغد