الأخبار

د. عادل الحواتمة : لعنة التكنولوجيا: قصة البرنامج النووي الإيراني من ذرة السلام إلى طموحات السلاح النووي (3/5)

د. عادل الحواتمة : لعنة التكنولوجيا: قصة البرنامج النووي الإيراني من ذرة السلام إلى طموحات السلاح النووي (35)
أخبارنا :  

في المقال الثالث من هذه السلسة، نحاول فهم مدى تأثير اختلافات الأطر المؤسسية الدولية، وتنوع توجهات السياسة الخارجية للفصائل السياسية الإيرانية، وتبدل الإدارات الأمريكية على البرنامج النووي منذ العام 2003 وحتى 2018. نتيجة لغياب الثقة الأمريكية والأروربية بالضمانات والوعود الإيرانية حول سلمية المفاعلات النووية السرّية الجديدة التي تم اكتشافها، إلى جانب انتخاب المحافظ احمدي نجاد 2005 ، والذي أزال الاختام التي وضعتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA على اجهزة الطرد المركزي، بالاتفاق مع الإيرانيين ومجموعة الترويكا الأوروبية في عهد حكومة إيرانية اصلاحية كان يقودها محمد خاتمي، معلنًا بذلك عودة التخصيب في المنشآت النووية، وانتقال الملف النووي من اجندة الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أروقة مجلس الأمن. هذا الأمر حوّل التعاطي مع الملف من كونه مسألة خلاف فني وتقني مع الوكالة إلى مسألة قد تزعزع الاستقرار والأمن الدوليين كما صوّرها البعض. من هنا ، نلحظ مجموعة مستجدات طرأت على كيفية التعاطي مع البرنامج النووي مثل، انتقال الملف للأمم المتحدة، وانتقال الحاضنة الإيرانية للملف النووي من الإصلاحية "الخاتمية" إلى المتشددة "النجادية"، كما انضمت دول جديدة كأطراف تفاوض، مثل روسيا والصين والولايات المتحدة E3+3 إلى جانب الترويكا: بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا.

 

يبدو المشهد الجديد قاتم ومُعقّد - لا شك بأن دخول أطراف جدد في العملية التفاوضية النووية قد يسهم بشيء من ذلك التعقيد؛ نظرًا لتعدد وجهات النظر، ووجود تمثيل غير مباشر للكيان الصهيوني، يضاف لذلك أن الدول المُنضمّة لاحقًا جميعها دول نووية، واعضاء دائمين في مجلس الأمن الدولي، كل هذا مقابل وجود رئاسة إيرانية تعيش مبادئ الثورة بحذافيرها، حيث تتسم بالنزعة القومية المتصلبة والتي ترى في الغرب، والولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص العدو اللدّود للأمة الإيرانية. ولقد كان لهذه الأجواء وقع سلبي على سير العملية التفاوضية التي بدأت في 2003-2006، الأمر الذي اصدر فيه مجلس الأمن إنذارا لإيران بالتعاون مع الوكالة بشكل جدي، وتعليق انشطة تخصيب اليورانيوم بقرار رقم (1696) حتى أب اغسطس، ونتيجة عد الالتزام بذلك، جاء القرار رقم (1737) في كانون الأول ديسمبر ليفرض أول حزمة عقوبات على إيران من قبل مجلس الأمن الدولي.

واجهت إيران مجموعة من العقوبات الاقتصادية؛ التي استهدفت تجميد بعض الاصول المالية لأفراد، وشركات على صلة بالبرنامج النووي، وحظر نقل التكنولوجيا النووية لإيران، وفرض قيود على المعدات التي يمكن أن تستخدم في البرنامج النووي. وعلى الرغم من اهمية هذه العقوبات، إلا أنها لم تكن كافية لتعديل السلوك النووي الإيراني. بالتزامن، وفي هذه الأثناء، كان هناك عملية تشبه عملية التفاوض، حيث كانت تفتقد للجدية؛ بالنظر لسياسة أحمدي نجاد المتصلبة تجاه الغرب، وقدرة إيران المبدئية على تحمل "وجبة سناكات" من العقوبات، خاصة وأن اسعار النفط وصلت في العام 2008 ل97 دولا للبرميل مقارنة ب 56 دولار للعام 2006 . لكن بعد ذلك، القت الأزمة المالية العالمية بآثارها على العالم 2008، وأدى تشديد وتنوع اشكال وفارضي العقوبات، سواء من قبل UN أو EU، أو USA إلى إلحاق اضرار بليغة لحقت بإيران، وخاصة بعد فرض الحظر على النفط الإيراني، سواء من حيث رفع نسب البطالة، وارتفاع التضخم، وانخفاض قيمة العملة الإيرانية، وانخفاض حجم الاستثمارات الخارجية وغيرها. وبشكل اساسي، كان لحظر النفط الإيراني هذا الدور، لأن إيران كانت تعتمد على 60% من موازنتها على عوائد تصدير النفط.

لذلك، كانت آثار العقوبات حاضرة في خطابات النخبة والمرشحين للرئاسة الإيرانية 2013 . حيث أحدثت عملية انتقال الملف النووي الإيراني من الوكالة لمجلس الأمن حالة جدل خلافية ضمن خطابات النخبة الإيرانية، وخاصة في المناظرات الرئاسية لعام 2013 والتي جاءت بالمعتدل حسن روحاني، بعد حكومة أحمدي نجاد المحافظة والمتشددة والتي حكمت لثمان سنوات. لقد تم تأطير آثار العقوبات في صورتين مختلفتين، ففي الوقت الذي اعتبرها روحاني السبب الرئيس للأزمة الاقتصادية، وأن معالجتها تتطلب اعادة التفاوض على البرنامج النووي لرفع العقوبات - مع الاخذ بعين الاعتبار الثوابت التي تم ذكرها سابقًا: إيران لا يمكن أن تتنازل عن حقها في التخصيب، ولكن مع تعاون أكبر مع الوكالة. بالمقابل، كانت الصورة الثانية أقرب للتضليل، والتي تبناها المرشح الرئاسي، محمد باقر قاليباف، وهو رئيس مجلس الشورى الإيراني الحالي، والذي يتولى عملية التفاوض الحالية مع الولايات المتحدة. قاليباف ذهب إلى أنه لا تأثير للعقوبات على إيران، وأنه ضد التفاوض، وأن الأزمة الاقتصادية، هي نتاج سوء ادارة نجاد خلال الثمان سنوات السابقة. والحقيقة، أن بعض المهتمين في الشأن الإيراني، والانتخابات يتعاطون مع فوز المعتدل روحاني، بأنه له اسباب عديدة ولكن أهمها الاعتراف بأثر العقوبات، ونيته تعديل السياسة النووية الإيرانية من اجل رفع العقوبات عن الشعب الإيراني، وهذا ما يسمى بأدب العقوبات ب"نجاح أو فعالية" العقوبات، بمعنى قدرتها على التأثير في سلوك الهدف.

بعد استلام روحاني، وأصداء الخطاب المعتدل الذي ألقاه في الأمم المتحدة والمرحب بالتعاون مع الوكالة، والتفاوض مع الولايات المتحدة واخراج إيران من عزلتها، رأت الادارة الديموقراطية الأمريكية برئاسة أوباما، أن هذه الاشارات ايجابية، وتمهد لأساس تفاوضي مقبول لجميع الأطراف. بدأت المفاوضات الإطارية Joint Comprehensive Plan of Action (JCPOA)بشكل مكثف وانتجت الاتفاق النووي P5+1 ويقصد به الدول دائمة العضوية وألمانيا مع إيران 2015. ولقد تضمن هذا الاتفاق: تخفيض تخصيب اليورانيوم ل 3.67% ، وتقليص عدد اجهزة الطرد المركزي، والتوقيع على البروتوكول الاضافي، والسماح بنظام تفتيش صارم من قبل الوكالة، واعادة تصميم مفاعل آراك للماء الثقيل، وغيرها، مقابل رفع تدريجي للعقوبات. كان لهذا الاتفاق أثر ايجابي على الاقتصاد الايراني، إلا أنه لم يطل بسبب، فوز الرئيس ترامب في الإدارة الأولى 2017، وانسحابه من الاتفاق 2018 واعادة فرض جميع العقوبات الامريكية، في حين اتخذت باقي الدول موقف التمسك بالاتفاق. وبالرغم من عدم الفاعلية الأوروبية في حماية إيران من العقوبات الأمريكية، بدأت إيرات تدريجيًا بتقليص التزاماتها النووية، من حيث نسب التخصيب، وتشغيل اجهزة طرد مركزي حديثة، إضافة لتقليل التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

بعجالة، يمكن القول أن البرنامج النووي الإيراني مثير للجدل، وبشكل خاص الجزء المتعلق بالتخصيب حيث لا زال قضية دولية منذ العام 2003 إلى الآن ولم يتم الاتفاق عليه . كما أنه خلق حالة من النقاش العام حول أحقية الدول بالاستخدام السلمي للطاقة النووي من جهة، ومدى الإلتزام والتعاون مع نظام منع الانتشار من جهة أخرى. يضاف لذلك، أن تبدل الادارات الأمريكية، وانتقال الملف النووي من IAEA لمجلس الأمن، وطبيعة توجهات الحاضنة الايديولوجية والثورية والدينية للنخب الإيرانية وخاصة الرئيس، ومدى إستقرارالنظام الإيراني، وتأطير آثار العقوبات في الخطاب السياسي النخبوي الإيراني، و طبيعة الحكومة القابعة بالكيان الصهيوني، جميعها عوامل تمارس دورًا مهمًا في التأثير على مآلات البرنامج النووي. احدى هذه المآلات المرحلية والمؤقتة، هي الإنعطافة الكبيرة في مسيرة التعاطي مع الملف، والمتعلق بإقدام الولايات المتحدة واسرائيل على الاعتداء العسكري المباشر على المرافق النووية الإيرانية بشهر حزيران 2025 وشباط 2026 ، وظروف هذه الإنعطافة ستكون محور المقال الرابع من السلسلة إن شاء الله.

استاذ مساعد، برنامج الشؤون الدولية والسياسة العامة، جامعة لوسيل، قطر

مواضيع قد تهمك