الأخبار

محمد مطلب المجالي : الحكومات… من التعديل إلى التجميل: نفس الوجوه بطلاءٍ واحد

محمد مطلب المجالي : الحكومات… من التعديل إلى التجميل: نفس الوجوه بطلاءٍ واحد
أخبارنا :  

لم يعد التعديل الوزاري حدثًا يُنتظر بوصفه مدخلًا للإصلاح، بل غدا طقسًا شكليًا تتبدّل فيه العناوين وتبقى المضامين على حالها. تتغير الأسماء، تُستبدل الصور، وتُرفع شعارات براقة، لكن النهج ذاته يعاد إنتاجه بعناية، وكأن المطلوب تجميل المشهد لا معالجته.

يدخل وزراء ويغادر آخرون، لا لأن حصادهم يُقاس بميزان الإنجاز، بل لأن ضرورات "التوازن” تقتضي ذلك؛ توازنات مناطقية، واعتبارات علاقات، وأحيانًا جوائز ترضية تُمنح في صمت، وتُقدّم في العلن على أنها استحقاق.

والمفارقة أن المغادرين يخرجون على استحياء، بلا كشف حسابٍ يُقنع، ولا مراجعةٍ تُنصف، وكأن المغادرة انتقالٌ هادئ لا نهايةُ مسؤولية. في المقابل، يقف "المستوزرون” على عتبات الانتظار، يراقبون عقارب الساعة السياسية، لا بوصفها لحظة خدمة، بل فرصة صعود. وهكذا تكتمل الحلقة: خروجٌ بلا مساءلة، ودخولٌ بلا معايير، لتبقى اللعبة دائرة بين وجوهٍ تعرف الطريق جيدًا… إلى الكرسي.

وفي كل مرة، يُقال إن المرحلة تتطلب "ضخ دماء جديدة”، غير أن الدم ذاته يدور في الشرايين نفسها، بلا تغيير في السياسات أو الجرأة على مراجعة المسار. فيتحول "التعديل” إلى تجميل، و”التحديث” إلى إعادة تدوير، و”التجديد” إلى تبديل مواقع لا أكثر.

ولأن المشهد بات مألوفًا، لم يعد المواطن يسأل: من دخل؟ ومن خرج؟ بل أصبح يسأل: ما الذي سيتغيّر فعلًا؟ وهو سؤال مشروع، لكنه غالبًا بلا إجابة، لأن التغيير حين يُختزل في الأشخاص، يُفرغ من مضمونه، ويغدو مجرد حركة شكلية لا تمسّ جوهر القرار.

الأخطر من ذلك، أن هذا "التدوير الناعم” يخلق طبقة من المسؤولين العابرين بين المواقع، لا يُحاسبون على إخفاق، ولا يُكافأون على إنجاز، بل ينتقلون من موقع إلى آخر كأن الدولة حقل تجارب مفتوح، لا مؤسسة تُدار وفق معايير واضحة.

أما الكلفة، فليست مجرد أرقام في دفاتر الخزينة، بل عبء متراكم يدفعه المواطن وحده؛ رواتب وامتيازات ومخصصات، ثم دعوات متكررة لشد الأحزمة، ولكن على خصر المواطن فقط.

ولعلّ المفارقة الأكثر إيلامًا، أن هذه التعديلات تُقدَّم أحيانًا كإنجاز بحد ذاته، وكأن تغيير الأشخاص غاية، لا وسيلة. فيُصفّق البعض للمشهد، بينما يدرك المواطن أن ما تغيّر هو الواجهة فقط، أما الداخل فما زال على حاله.

إن الإصلاح لا يبدأ من تبديل الأسماء، بل من تغيير طريقة الاختيار، ومن ترسيخ مبدأ المساءلة، ومن الاعتراف بأن إدارة الدولة ليست مساحة للمجاملات، بل مسؤولية تتطلب الكفاءة والنزاهة والجرأة.

فالوطن ليس صالونَ تجميلِ عرائس، تُبدَّل فيه الألوان وتُعاد فيه المساحيق كلما بهتت الملامح… بل كيانٌ حيّ يحتاج إلى قرارٍ جريء، ونهجٍ صادق، وإرادةٍ لا تعرف التجميل.
وحتى يحدث ذلك، ستبقى الحكومات تدور في حلقة التعديل والتجميل، وستبقى الوجوه كما هي… يتغيّر ترتيبها، ويُعاد طلاءها، لكن الملامح لا تتبدّل.

فمتى نصل إلى هذه الحقيقة؟ ومتى نكفّ عن طلاء الوجوه… ونبدأ بإصلاح الملامح؟



مواضيع قد تهمك