الأخبار

د. رائد قاقيش : السردية الأردنية المعاصرة: فخور أني أردني

د. رائد قاقيش : السردية الأردنية المعاصرة: فخور أني أردني
أخبارنا :  

في عالمٍ يُقاس فيه الحضور بحجم التأثير، يثبت الأردنيون يومًا بعد يوم أن القيمة الحقيقية لا تُقاس بالعدد، بل بالنوعية. هذا الوطن الصغير جغرافيًا، الكبير إنسانيًا، لم يعد يُعرَف فقط بمواقفه السياسية أو تاريخه، بل بما يُنتجه من عقولٍ ومواهب تترك أثرها في كل زاوية من هذا العالم.

من الملاعب إلى المسارح، ومن المختبرات إلى شركات التكنولوجيا، ومن الحقول الرياضية إلى الفضاءات الطبية والهندسية، تتشكل صورة أردنية حديثة متعددة الأبعاد. فهي ليست صورة قطاع واحد أو إنجاز محدود، بل بنية وطنية ممتدة تشمل الرياضة والإبداع والثقافة والطب والهندسة والتكنولوجيا في آن واحد. وفي هذا السياق، يبرز الأردن كبيئة إنتاج للمعرفة والخبرة، خصوصًا في القطاع الطبي الذي أصبح فيه مرجعًا إقليميًا في جراحة القلب والتخصصات الدقيقة والطب الحديث، إلى جانب تطور واضح في الهندسة والعمارة والاختراع والبحث العلمي، بما يعكس تراكمًا طويلًا في بناء الإنسان الأردني القادر على المنافسة إقليميًا وعالميًا.

ضمن هذا المشهد العام، تتجسد أمثلة حية على هذا الحضور الأردني في مجالات متعددة؛ إذ يعكس تألق موسى التعمري في الملاعب الأوروبية حضور الرياضة الأردنية على المستوى الدولي، كما يمثل صوت عمر عبد اللات امتدادًا للهوية الثقافية الأردنية في الفضاء العربي، ليشكلا معًا نموذجًا للتأثير خارج الحدود الجغرافية التقليدية.

لكن الصورة الأعمق تظهر حين ننتقل إلى عالم التكنولوجيا وريادة الأعمال. هنا، لا يكتفي الأردني بالمشاركة، بل يقود. نموذج أمجد مسعد، مؤسس منصة Replit، يعكس كيف يمكن لفكرة نشأت في بيئة بسيطة أن تتحول إلى أداة يستخدمها ملايين المبرمجين حول العالم. وفي سياق موازٍ، استطاع حسام حمّو أن يخلق صناعة ألعاب عربية، واضعًا المحتوى المحلي على خريطة الاقتصاد الرقمي.

وفي المجال الاقتصادي وريادة الأعمال، لا يمكن تجاهل أثر فادي غندور، الذي لم يؤسس شركة فقط، بل ساهم في بناء مدرسة كاملة في اللوجستيات وريادة الأعمال في المنطقة.

أما في الثقافة والإبداع، فقد قدّم سليمان بخيت نموذجًا مختلفًا، مستخدمًا السرد البصري والقصصي لإعادة تقديم الهوية بشكل معاصر، من خلال مشاريع إبداعية هدفت إلى إبراز نماذج إيجابية من الشباب وإعادة صياغة مفهوم القدوة في المجتمع الأردني بطريقة حديثة ومؤثرة.

ولا تكتمل هذه الصورة من دون الحضور النسائي الأردني، الذي لم يعد استثناءً بل أصبح جزءًا أصيلًا من مشهد الإنجاز. من إنجازات يارا قاقيش في رياضة الجوجيتسو، إلى الحضور القيادي لنساء أردنيات في مجالات الاقتصاد والإدارة مثل إيمان مطلق، يتأكد أن المرأة الأردنية شريك كامل في صناعة هذه السردية.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز الدور المحوري لـ الملكة رانيا العبد الله، التي أسهمت عبر مبادراتها التعليمية والمجتمعية في تعزيز مفهوم التمكين وبناء الإنسان، وجعلت من التعليم والمرأة محورًا أساسيًا في التنمية.

هذه النماذج، على اختلاف مجالاتها، ليست أحداثًا منفصلة، بل تعكس ما يمكن تسميته اليوم بـ السردية الأردنية المعاصرة؛ سردية تتشكل من تراكم الإنجازات الفردية والجماعية، وتعيد صياغة صورة الأردن من دولة تُعرّف بتاريخها فقط، إلى دولة تُعرّف أيضًا بما تنتجه من معرفة وتأثير وإبداع.

وفي العمق، فإن رؤية الملك عبد الله الثاني، والتكامل مع الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، قد شكّلت إطارًا عامًا لفهم التحديات البنيوية ومحاولة تحويلها إلى فرص عبر الاستثمار في الإنسان والتعليم والتكنولوجيا. وهنا يتضح أن ما نشهده ليس مجرد نجاحات متفرقة أو قصص فردية، بل مسار تراكمي ينتج أنماطًا متكررة من القدرة على التكيف، والابتكار، وإعادة تعريف الذات باستمرار.

ويبقى هذا كله جزءًا من شعور أعمق:
أنا فخور أني أردني… ليس فقط لأن لدينا أسماء لامعة، بل لأن لدينا سردية حية تُكتب كل يوم، تُعيد تعريف الأردن كدولةٍ قادرة على إنتاج المعنى قبل الإنجاز، وعلى تحويل التحديات إلى فرص، وعلى الاستمرار في بناء حضورٍ إنساني ومعرفي يتجاوز الجغرافيا إلى التأثير

مواضيع قد تهمك