لما جمال العبسة : «اللحوم» بين اضطراب الأسواق والسياسات
في الأشهر الأخيرة، وجد المستهلك الأردني نفسه أمام موجة ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار العديد من السلع الغذائية ومنها اللحوم، على حد سواء المستوردة أو الطازجة المحلية، هذه الأزمة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج تداخل عوامل خارجية ضاغطة مع قصور داخلي في سرعة الاستجابة مع المتغيرات العالمية، اليوم العالم يشهد اضطراباً في سلاسل التوريد، وارتفاعاً في أجور الشحن خاصة من نواح جغرافية قادمة من الشرق، يرافقه زيادة في الطلب العالمي، وكلها انعكست مباشرة على السوق الأردني، لكن السؤال الذي يفرض نفسه.. هل كان بالإمكان التخفيف من هذه التداعيات لو تحركت السياسات المحلية بشكل استباقي وأكثر سرعة؟.
وزارتا الصناعة والزراعة أعلنتا مؤخراً عن إجراءات لمعالجة الأزمة، من خلال فتح أسواق جديدة وتكثيف الرقابة على الأسعار، إضافة إلى شراكات مع القطاع الخاص لضمان استدامة التوريد، غير أن هذه الخطوات جاءت كرد فعل بعد أن شعر المواطن بوطأة الغلاء، ولم تكن استباقية بما يكفي لحماية السوق من الصدمة الأولى، في المقابل، أظهر القطاع الخاص استعداداً للتعاون عبر مبادرات بيع اللحوم بأسعار التكلفة، لكن هذه الحلول تبقى مؤقتة ولا تعالج جذور المشكلة.
هنا لابد أن نذكر التوجيهات الملكية السابقة في تحقيق الأمن الغذائي وهي بالمناسبة توجيهات مستمرة منذ عدة سنوات، تنظر الى الامام وتحتاط لما يجب أن تكون عليه الاسواق في ظل حدوث أي طارئ قد يغير ما هو معتاد عليه الناس، وكان من ضمن هذه التوجيهات محاولة الاعتماد على النفس خاصة في تطوير الثروة الحيوانية والزراعية وزيادة الاستثمارات فيها وتعزيزها للتخفيف من الاعتماد على الاستيراد، لكن في الواقع نجد أن الخلل الأساسي يكمن في الاعتماد الكبير على الاستيراد، مقابل ضعف الاستثمار في تعزيز الإنتاج المحلي من اللحوم الحمراء، فالثروة الحيوانية المحلية، رغم أهميتها، لا تغطي سوى جزء من الطلب، ما يجعل السوق هشاً أمام أي اضطراب خارجي، ومع ارتفاع أسعار الأعلاف بنسبة ملحوظة خلال الأشهر الماضية، ازدادت كلفة الإنتاج المحلي، مما ضيّق هامش المناورة أمام المربين وأضعف قدرتهم على سد الفجوة.
إن معالجة هذه الأزمة تتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز الحلول المؤقتة على الرغم من اهميتها، والوقت مناسب ليس فقط لإيجاد حل وقتي بل للتفكير في البدء بحلول جذرية، فتنويع مصادر الاستيراد خطوة ضرورية، لكنها يجب أن تترافق مع دعم مباشر للمزارعين، وتحسين سلالات المواشي، وتطوير البنية التحتية لسلاسل التبريد والنقل، بذلك فقط يمكن للأردن أن يحقق توازناً بين حماية المستهلك وضمان استدامة التوريد، ويخفف من هشاشة السوق أمام تقلبات الخارج.
ما يعيشه المواطن اليوم هو نتيجة طبيعية لأحداث خارجة عن ارادة الحكومة وبعضها ذو صلة بسرعة اتخاذ القرارات الصائبة، فالاقتصاد يعتمد على الخارج أكثر مما يستثمر في الداخل في الثروة الحيوانية، وإذا لم تتحول السياسات الحكومية من رد فعل إلى فعل استباقي، فإن المواطن سيبقى الحلقة الأضعف في مواجهة موجات الغلاء العالمية.
المطلوب اليوم ليس مجرد إدارة أزمة اللحوم، بل إعادة صياغة سياسة غذائية شاملة تضع الأمن الغذائي في صدارة الأولويات، وتمنح المستهلك الأردني حقه في سوق مستقر وأسعار عادلة.