د. عامر سبايلة : إيران.. من التفاوض إلى إعادة التشكيل
مع قرار دونالد ترامب وقف سيناريو تدمير إيران والانتقال إلى المسار التفاوضي، كان لافتاً حديثه عن "تحول ثوري" وإشارته إلى وجود فريق إيراني قدّم مقترحاً من عشر نقاط قابلة للبناء العملي. هذه الإشارة لا يمكن قراءتها كتصريح عابر، بل كدلالة على أن الصراع دخل مرحلة مختلفة، تُدار فيها الحرب بأدوات التفاوض، لا بوقفها.
فوقف إطلاق النار لا يعني انتهاء الحرب، بل يشكّل فرصة لإعادة ترتيب
الأهداف، ومعالجة الأخطاء، وإعادة شحن القدرات العسكرية، والأهم تعميق
العمل الاستخباري. في هذه المرحلة، لا تتوقف العمليات الاستخبارية بل تتسع،
ويصبح نقل الأزمة إلى الداخل الإيراني مساراً حتمياً، ليس فقط نتيجة لهذه
العمليات، بل انعكاساً لواقع جديد يتشكل تدريجياً.
في هذا السياق، لا ينفصل المسار التفاوضي عن شكل إيران المقبلة. فالوفد
الإيراني، في رمزيته، يركّز على البعد السياسي والاقتصادي أكثر من الملفات
العسكرية والنووية، في إشارة إلى أن النظام يسعى للعبور نحو مرحلة إعادة
ترتيب شاملة، تتجاوز وقف الحرب إلى إعادة تعريف علاقته مع العالم. فاليوم
الذي تتوقف فيه الحرب لا يعني بداية الاستقرار، بل بداية مواجهة واقع
اقتصادي وسياسي واجتماعي بالغ التعقيد، في ظل غياب السيولة واستمرار
العقوبات، ما يجعل إدارة ما بعد الحرب تحدياً لا يقل صعوبة عن الحرب نفسها.
إقليمياً، تقف دول الخليج أمام معادلة جديدة. فالدول التي كانت في موقع
المتلقي للتهديد الإيراني باتت تعمل على إنهاء هذا الخطر، إما عبر تعزيز
ترساناتها أو إعادة بناء تحالفاتها. وفي هذا الإطار، تبرز السعودية كنموذج
واضح، مع تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك وتصاعد مؤشرات انخراط باكستان إلى
جانبها في حال عودة التصعيد. هذه التحولات تعكس حقيقة أعمق: أن مفهوم
الحليف في المنطقة يُعاد تعريفه.
أما مضيق هرمز، الذي استثمرت فيه إيران كأداة ضغط، فيكشف عن حدود هذه
الإستراتيجية. فهذه الورقة، رغم أهميتها، تحمل قابلية التحول إلى عبء دولي،
إذ إن تعطيل الملاحة لا يضر طرفاً بعينه، بل يضرب الاقتصاد العالمي، ما
يدفع الدول المتضررة للبحث عن صيغة تدخل. ومع تراجع الضربات الأميركية
المباشرة، قد تجد الدول التي ترددت سابقاً نفسها مضطرة للعب دور أكثر
فاعلية، ما يفتح الباب أمام تدويل مسألة تأمين المضيق.
وفي هذا الإطار، تزداد مسألة الألغام البحرية وأمن الملاحة تعقيداً. فعدم
قدرة إيران على إزالة الألغام بشكل كامل، مقابل رغبتها في الإبقاء على
مستوى من التهديد، يجعل المضيق أداة ضغط تفاوضية، لكنه في الوقت نفسه يبرر
بحث الولايات المتحدة وشركائها عن خيارات عملياتية، قد تشمل تحركات متعددة
الجنسيات لإعادة فتح الممر، رغم ما يحمله أي تدخل مباشر من مخاطر تصعيد.
وهنا تكمن المفارقة: كلما تمسكت إيران بورقة هرمز، اقتربت أكثر من تحويلها إلى قضية دولية تُنتزع من يدها.
ضمن هذه المعادلة، تبدو الإستراتيجية الشاملة لإدارة ترامب قائمة على تقارب
الضغوط: ضغط عسكري غير مباشر، ضغط اقتصادي عبر مسارات الطاقة، وضغط سياسي
عبر التوازنات الداخلية الإيرانية. الهدف لا يقتصر على انتزاع تنازلات، بل
إعادة تشكيل الحسابات الإستراتيجية للقيادة الإيرانية، ودفعها لمواجهة
تهديدات متزامنة داخلياً وخارجياً.
وعليه، لا يمكن قراءة المفاوضات كمسار خطي نحو التهدئة، بل كجزء من صراع
مركّب تتداخل فيه الدبلوماسية مع العمليات السرية، ويسعى كل طرف من خلاله
إلى تحسين موقعه عبر مزيج من الضغط والتكيّف. وفي هذا السياق، لا يبدو
لبنان ساحة ثانوية، بل أحد المفاتيح المركزية لإعادة رسم ميزان القوى.
في المحصلة، نحن أمام مرحلة لا تُنهي الحرب… بل تعيد تعريفها.
حرب تُدار من خلف خطوط النار، حيث يصبح التفاوض امتداداً للضغط، لا بديلاً
عنه، وتتحول النتيجة من وقف القتال… إلى إعادة صياغة النظام نفسه.
ــ الغد