الأخبار

اسماعيل الشريف : القرار الصعب لماذا اختار الأردن الاستقرار؟

اسماعيل الشريف :  القرار الصعب لماذا اختار الأردن الاستقرار؟
أخبارنا :  

«الأردن بخير وسيبقى بخير». عبد الله الثاني ابن الحسين.

بمعزلٍ عن حدّة الخطاب وما أثاره من جدلٍ حول معايير الانتماء الوطني إبّان الحرب الإيرانية الصهيو-أمريكية، وما اكتنفها من ضرباتٍ طالت الأردن ودولاً عربية شقيقة، فقد جاء الموقف الأردني الرسمي صريحاً ولا لبس فيه، إذ وصف تلك الضربات بـ»العدوان الإيراني» دون مواربة. وتجسيداً لهذا التوجه، أجرى جلالة الملك جولةً خليجية رفيعة المستوى، تعبيراً عن التضامن الأردني قيادةً وشعباً في مواجهة هذا العدوان، فضلاً عن جهودٍ دبلوماسية مكثّفة بذلها لوقف هذه الحرب التي تنخر في استقرار المنطقة وأمنها.

في خضمّ هذا التوتر، ارتفعت أصواتٌ تنتقد الموقف الأردني، وتدعو إلى استثمار هذه المرحلة الحرجة نفوذاً دبلوماسياً، عبر مراجعة التحالفات والانفتاح على المحور الروسي-الصيني على حساب الشراكة مع واشنطن، من منطلق أنّ الولايات المتحدة والكيان الصهيوني باتا بحاجةٍ ماسّة إلى الدور الأردني في هذا التوقيت. بيد أنّ السؤال الجوهري يفرض نفسه بإلحاح: هل يملك الأردن ترف هذا الخيار حقاً؟ فالأردن دولةٌ تشحّ فيها موارد الطاقة، وتخلو من صندوقٍ سيادي تستند إليه، في حين أنّ موسكو وبكين لا تُسهمان في دعم ميزانيته العامة، خلافًا لما تقدّمه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج الشقيقة من دعمٍ لا غنى عنه. وعليه، يقتضي الحسابُ العقلاني الرشيد التمسّكَ بهذه الأوراق وصونها، لا التفريطَ فيها لصالح رهاناتٍ مجهولة العواقب.

إنّ الانزياح عن محور الشراكة مع الولايات المتحدة ودول الخليج الشقيقة من شأنه أن يُفسح المجال حتماً أمام توسّع النفوذ الإيراني، الذي يُمثّل في حدّ ذاته تهديداً وجودياً للدولة الأردنية. فدعم طهران لحركة حماس وحزب الله وسائر حلفائها في المنطقة لا يعدو كونه تدخّلاً خارجياً يرمي إلى ترجيح كفّة أطرافٍ محلية بعينها على حساب أخرى، وهو مسلكٌ ينطوي على أخطارٍ بالغة؛ إذ يُفضي إلى تنامي قوة هذه الأطراف تدريجياً حتى تتحوّل إلى كياناتٍ موازية داخل الدولة، تنخر في سيادتها وتُفككّ مؤسساتها. وفي هذا السياق، تزخر التجارب الإقليمية بشواهد صارخة، كما لا تزال مجريات أيلول الأسود ماثلةً في الوجدان الأردني شاهداً لا يُنسى.

يبقى التمدّد الإيراني في المشهد الأردني أمراً مرفوضاً قطعياً، لما ينطوي عليه من تناقضٍ صريح مع هوية الدولة الأردنية وانتمائها الحضاري؛ تلك الهوية المتجذّرة في عمقها العربي السني، والمتشابكة عضوياً مع دول الخليج الشقيقة، والقائمة على شراكةٍ استراتيجية راسخة مع الولايات المتحدة. فتعاظم هذا النفوذ لا يعني سوى تفكيك هذه الروابط وإذابتها تدريجياً، بما يُفضي إلى انفصال الدولة والمجتمع عن امتدادهما الطبيعي وبيئتهما الحيوية، وهو ما يُشكّل في جوهره تهديداً بنيوياً خطيراً يطال صميم الكيان الأردني وهويته الوطنية.

لا ريب في أنّ شريحةً واسعةً من الأردنيين انحازت وجدانيا إلى الجانب الإيراني في هذه المواجهة، لا تعاطفاً مع المشروع الإيراني في ذاته، بل لأنّ الطرف المواجه له هو الكيان الصهيوني، الذي يُجمِع الأردنيون على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم على رفضه المطلَق، لا سيّما في أعقاب واحدةٍ من أفظع الإبادات الجماعية في التاريخ المعاصر بحق أبناء شعبنا في فلسطين. غير أنّ هذا الموقف الوجداني المفهوم لا يُسوّغ إغفال حقيقةٍ راسخة،

مواضيع قد تهمك