البرفيسور - حسن عبد الله البرماوي : الجيش العربي.. عقيدة قتالية وصناعة دفاعية وخبرة تُدرّس
في العاشر من حزيران من كل عام يقف الأردن دولةً وشعباً ليروي حكاية الجيش العربي الأردني الهاشمي المصطفوي، الذي وُلد من رحم الثورة العربية الكبرى عام 1920 وتأسس رسمياً في 22 تشرين الأول 1920. تحول خلال مئة وستة أعوام من قوة محدودة العدد والعتاد إلى مؤسسة عسكرية حديثة تصنف ضمن الجيوش السبعة والأربعين عالمياً من حيث الحجم، بقوة عاملة تتجاوز 110700 جندي في الخدمة الفعلية و65000 في الاحتياط، وتستثمر المملكة ما نسبته 7% من ناتجها المحلي الإجمالي في موازنة الدفاع التي بلغت 1.5 مليار دولار عام 2015.
هذه الأرقام لا تشرح القصة كاملة، فالقيمة النوعية للجيش العربي الأردني الهاشمي تكمن في عقيدته القتالية وتكيفه العملياتي وقدرته على الموازنة بين شح الموارد وعظم الإنجاز، وهو ما جعله نموذجاً تدرسه المعاهد العسكرية العالمية.
بدأت مرحلة التحديث الهيكلي والاستراتيجي الشامل مع تولي جلالة الملك عبدالله الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، مقاليد الحكم.
شمل التحديث دمج الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والأنظمة المسيرة في منظومات القيادة والسيطرة والاستطلاع، مع تركيز استراتيجي على العنصر البشري تسليحاً وتدريباً وتأهيلاً تكنولوجياً. ونتج عن هذه الرؤية جيش يتمتع بكفاءة عملياتية عالية وقدرة على التكيف السريع مع التحولات الجيوسياسية.
على الصعيد الصناعي الدفاعي، يمثل مركز الملك عبدالله الثاني للتصميم والتطوير «جودبي» نقلة نوعية في مفهوم الأمن الوطني. المركز الذي تطور من «كادبي» أصبح حاضنة إقليمية للابتكار العسكري والتكنولوجي في الشرق الأوسط. يقوم بتصميم وتصنيع الآليات المصفحة الثقيلة والخفيفة والأنظمة الدفاعية الذكية والحلول السيبرانية المعقدة بأيدٍ وعقول أردنية شابة. هذا التوجه عزز الاعتماد على الذات ورفد الجيش بأسلحة وآليات تلبي احتياجات الميدان المعاصر وتنافس في المعارض الدفاعية الدولية.
البعد الأممي والإنساني للعقيدة العسكرية الأردنية راسخ وموثق. فمنذ انضمام الأردن إلى الأمم المتحدة عام 1955 والمملكة تساهم بفاعلية في عمليات حفظ السلام. وشاركت القوات المسلحة الأردنية في مهام دولية ضمن 38 دولة، ونفذت 31 مهمة حفظ سلام ومهام إنسانية.
تصدير الخبرات العسكرية هو العنوان الأبرز للمرحلة الحالية. التجربة الأردنية في إدارة الحدود وإحباط التسلل وتهريب المخدرات والطائرات المسيرة منذ 2012 صارت نموذجاً تدرسه مراكز الأبحاث. وقدرة الأردن على إنتاج عقيدة قتالية وتدريبية وتصديرها جعلت منه مرجعية في الموازنة بين محدودية الموارد وكفاءة الأداء.
ويمثل برنامج خدمة العلم بمتابعة سمو ولي العهد استثماراً استراتيجياً في المواطنة والانضباط. البرنامج لا يكتفي بالإعداد البدني والعسكري، بل يمتد إلى مسارات المواطنة الفاعلة والثقافة المالية والتوعية الإعلامية والتكنولوجية والتدريب المهني.
إن عيد الجيش العربي الأردني الهاشمي في 10 حزيران ليس مناسبة للاستعراض، فهو يوم لتقييم معادلة أمنية فريدة أنتجها الأردن رغم تحديات الإقليم وشح الموارد.
في ذكرى التأسيس، الجيش العربي الأردني الهاشمي ليس سيفاً فقط، فهو عقل يخطط، ومصنع يبتكر، وأكاديمية تدرّب العالم، ومستشفى يعالج تحت النار. هذه هي السيادة الحقيقية، وهذا هو الأردن.
ــ الدستور