سامح المحاريق : الأردن.. عين على إسلام أباد وعين على رام الله
لم تنطلق مفاوضات إسلام أباد بين الإيرانيين والأمريكيين لتكون عرضة للفشل، فالمقدمة الدرامية التي جعلت العالم يقف على أصابعه حتى الساعات الأخيرة قبل انتهاء مهلة الرئيس ترامب توحي بأن الجميع يريد التوصل إلى اتفاق لحفظ ماء الوجه.
النظام الإيراني يريد البقاء هذه غريزته الأساسية والمحرك الرئيسي لسلوكه، ومع انعدام البديل يصبح ذلك تطلعًا إيرانيًا عامًا، فالإيرانيون يعرفون أن الفوضى هي المآل الذي سيسفر عنه تفكك الدولة، والأمريكيون يريدون المحافظة على سمعتهم والخروج بانتصار يمكن تسويقه قبل انتخابات التجديد النصفي.
وتبقى إسرائيل في الخلفية تتطلع لتحييد إيران وتقويض طموحاتها النووية وتقليص برنامجها الصاروخي وخروجها من المنطقة ومن جميع المحطات التي تقدمت لها خلال العشرين سنة الأخيرة، وبينما تنتهي الحرب في الخليج وعلى ضفافه ويأخذ الأشقاء الفرصة من أجل التقاط أنفاسهم يظل الأردن أمام مواجهة مبرمجة مع إسرائيل ومفتوحة على احتمالات كثيرة.
ما يجب أن يستوعبه الوعي العام وأن تدركه المخيلة السياسية أن (إسرائيل) ليست الدولة التي تسعى إلى تحقيق الأمن والاستقرار في الإقليم، ولا هي البلد الذي يمكن أن يكون شريكًا في تحقيق التنمية والازدهار، لأن ذلك يجردها من إدعاءات التفوق، والنموذج الذي تريده إسرائيل في المنطقة هو الفوضى، على الأقل في المرحلة المقبلة، لأنها المبرر من أجل أن تستكمل مشروعها في الاعتداء على مزيد من الأراضي في محيطها، سواء بالتواجد المباشر أو بتحويلها لأحزمة أمنية تحتفظ باليد العليا على وجودها.
تعيش لبنان وسوريا حالة من الامتداد الإسرائيلي في عمقهما السيادي، واسرائيل متلهفة لتنفيذ استراتيجيتها المفضلة بفرض الأمر الواقع، ليكون أي تفاوض مستقبلي قائم على انسحاب مجدول على فترات زمنية طويلة وتعتريه عراقيل ومحددات تقوم إسرائيل بإنتاجها بصورة مستمرة، وفي ظل هذه الوضعية، تصبح مسألة السيطرة على الضفة الغربية مجرد إجراء شكلي يمكن أن يتخذ في أي توقيت وبناء على حسابات انتخابية أو سياسية داخل إسرائيل، ولكن ما الذي سيحدث في الدول التي تسعى إسرائيل إلى فرض نفوذها عليها.
شهدت لبنان تهجير أكثر من مليون من مواطنيها باتجاه بيروت والمناطق الآمنة نسبيًا شمالًا، وفي سوريا يحدث التمدد الإسرائيلي من غير عمليات تهجير وفي مناطق هي بالأساس غير كثيفة سكانيًا، ولكن لو حدث توسع في العمليات الإسرائيلية فالعمق السوري مفتوح أمام المواطنين، والذاكرة تستدعي حالات تهجير ارتبطت بالحروب مع إسرائيل أتبعتها عودة المواطنين إلى منازلهم وأراضيهم ابتداء من مهجري مدن القناة في مصر إلى حالات كثيرة للنزوح والعودة في الجنوب اللبناني.
في فلسطين المحتلة تبدو العودة بعد التهجير مستبعدة، وغير واردة لأن إسرائيل لا تعتبر التهجير أداة سياسية أو تدبيرا أمنيا، بقدر ما يرتبط بفلسفتها الوجودية، وحتى الفلسطينيين الذين تحصلوا على جنسيات أمريكية وأوروبية يجدون أمامهم نفس السياسات التنغيص الصريحة من إسرائيل، وذلك يشكل التحدي الرئيسي للأردن، لأنه يمثل إنهاءً للقضية الفلسطينية ويمس أسسًا أخلاقية وأخرى سياسية ليضع الأردن في حالة عداء مستمر وقابل للانفجار في أي وقت مع إسرائيل.
اتفاقية السلام الأردنية – الإسرائيلية أتت بعد اختراق كبير حققته اتفاقية أوسلو، وهي اتفاقية سعت الأردن من خلالها إلى بناء مفهوم السلام العادل والشامل، وبقيت حقوق الشعب الفلسطيني حاضرةً داخل جميع تفاصيلها لأسباب تتعلق بطبيعة المواجهة على الجبهة الأردنية وتفاصيلها وتشابك الجغرافيا والسكان، وإنهاء الشق الفلسطيني يمثل مطلباً جوهريًا في تصور الأردن للمستقبل ومشروعاته المختلفة، ومع الرفض المبدئي أخلاقيًا وموضوعيًا لفكرة الوطن البديل، فإن الخلخلة داخل الضفة تعني توترًا مستمرًا له تكلفة كبيرة في الأردن.
لحظة النشوة الإسرائيلية يمكن أن تعجل للصدام حيث ستهرع إسرائيل إلى الفراغ من أجل السيطرة على الفضاء الاستراتيجي المفتوح أمامها في ظل الدول المرهقة في حزام النفوذ الإيراني السابق، ولذلك فالأردن يتابع اتفاقية إسلام أباد من زاويته الخاصة، ويؤكد على أن ملفات كثيرة من لبنان إلى فلسطين يجب أن تبقى مطروحة لأن خروج إيران لا يجب أن يعني انفلاتًا إسرائيليًا في المنطقة لأن إسرائيل كانت وما زالت باستهانتها بفرص السلام وطموحاتها التوسعية واعتدائها على حقوق وإنسانية الفلسطينيين أصل البلاء كله.