احمد عبدالفتاح ابو هزيم : الماء في مرمى الحروب الجديدة
حين انهار سد مأرب، المحفور في الوجدان والذاكرة العربية، لم يكن ذلك حدثًا عابرًا، بل لحظة أعادت تشكيل الجغرافيا البشرية والسياسية، ودَفعت جماعات كاملة إلى الهجرة، وفتحت الباب لتحولات اجتماعية عميقة امتد أثرها قرونًا لاحقة، ولا يزال صداها حاضرًا حتى الآن. ذلك اليوم لم يكن الانهيار بفعل فاعل بل مجرد خروج عن السيطرة وكان كافيًا وحده، زعزعة استقرار الاقليم.
أما اليوم، وفي زمن مختلف، فإن الخطر لم يعد في فقد السيطرة بل في احتمال تحويل الماء نفسه إلى هدف.
فمع التطور الكبير والتعقيد في أدوات الحرب الحديثة، لم تعد العمليات العسكرية مقتصرة على الجبهات التقليدية أو المواجهات المباشرة، بل اتجهت نحو استهداف مجمل المجهود الحربي والبنية التي تقوم عليها قدرة الدول والمجتمعات على الاستمرار، من شبكات الطاقة إلى أنظمة الاتصالات، وسلاسل الإمداد (وكلها أصبحت ضمن بنك أهداف الصراع) وفي قلب هذه المنظومة تقف المياه.
وفي منطقة الشرق الأوسط، تكتسب المياه حساسية مضاعفة لندرتها. فعدد من دول الإقليم تعتمد اعتمادًا كبيرًا على تحلية مياه البحر لتلبية احتياجاتها الأساسية من المياه العذبة، بينما تتجه دول أخرى إلى توسيع هذا الاعتماد تدريجيًا. ولم تعد محطات التحلية مجرد منشآت تقنية، بل غدت شرايين حياة حقيقية، يرتبط بها الأمن الصحي والاجتماعي والاقتصادي بشكل مباشر. وأي خلل يصيب هذه المنظومة، لأي سبب كان، ينعكس بسرعة على تفاصيل الحياة اليومية، من مياه الشرب إلى الخدمات الأساسية.
ومما يجدر التذكير به أن الماء لم يكن يومًا بعيدًا عن حسابات الحروب. ففي التاريخ العسكري، سعت الجيوش مرارًا إلى السيطرة على مصادر المياه أو حرمان الخصم منها، باعتبار ذلك وسيلة لتقليص قدرته على الصمود وتسريع الحسم. غير أن هذا الاستخدام ظل، في معظمه، محصورًا ضمن نطاق عسكري مباشر، يرتبط بحركة الجيوش واحتياجاتها الميدانية.
أما اليوم، فقد تغيّر نطاق التأثير بصورة جذرية. فلم يعد استهداف المياه يقتصر على إضعاف القدرة القتالية للخصم، بل بات يمتد ليطال المجتمعات بأكملها، ويضع المدنيين في مواجهة مباشرة مع خطر العطش وانهيار الخدمات الأساسية. وهنا تنتقل المسألة من أداة ضغط عسكري إلى إشكالية أخلاقية وقانونية عميقة، تلامس حدود العقاب الجماعي، بل وقد تقترب -في بعض السياقات- من توصيفات أشد خطورة حين يقترن استهداف المياه بندرة بدائلها، كما في البيئات الجافة.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف موقع الموارد المائية ضمن منظومة الأمن، بحيث تُدرج صراحة ضمن مفهوم "الأمن الإنساني"، ويكفي التذكير بأن قواعد القانون الدولي الإنساني -كما كرّستها اتفاقيات جنيف وتطويراتها اللاحقة- تحظر استهداف الأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين، بما في ذلك مصادر المياه ومنشآتها. غير أن التحولات التي شهدتها طبيعة الحروب، واتساع نطاق استهداف البنى التحتية، كشفت عن فجوة بين النص والتطبيق، وبين المبدأ والواقع.
فالمشكلة لم تعد في غياب القاعدة القانونية، بل في هشاشة الالتزام بها، وفي غياب آليات ردع فعّالة تجعل من استهداف المياه كلفة لا يمكن تحمّلها سياسيًا أو عسكريًا . فكما جرى حظر أسلحة وممارسات بعينها كونها تمس جوهر الإنسانية، فإن الماء -وصفه أصل الحياة- أولى بأن يُحصَّن بحماية مماثلة لا تقل وضوحًا ولا صرامة.
ولا يتعلق هذا الطرح بدولة بعينها أو منطقة محددة، بل بمفهوم عالمي يتصل بأمن الإنسان في كل مكان. فالمياه عندما تكون نادرة او مواردها عابرة للحدود بخلاف كثير من الموارد الأخرى، قد يصعب تعويضها في لحظة الأزمة ويجعل آثار استهدافها تتجاوز الإطار المحلي، وتمتد إلى الإقليمي والدولي.
إن إبقاء الماء خارج
معادلات الصراع ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة عملية لحماية الحد الأدنى من
الاستقرار في عالم يتجه نحو مزيد من التعقيد. وإذا كانت الحروب قد تغيّرت
أدواتها وأساليبها، فإن بعض الخطوط يجب أن تبقى ثابتة، وفي مقدمتها عدم
المساس بمصادر الحياة الأساسية كالمياه. ــ الراي