سلطان الحطاب : أعظم جامعة في العالم تدين إسرائيل
دعيت للقاهرة لحضور احتفال بمناسبة مرور 125 سنة على صدور مجلة الهلال المصرية الشهيرة (1892) والحديث عنها وعن مؤسسها الراحل (1861 – 1914)، جورجي زيدان، القادم إليها من لبنان، كما كثير من المثقفين السوريين واللبنانيين ومنهم سليم تقلا (1915 – 2006)، أول رئيس تحرير لجريدة الأهرام، وجورج أبيض المهتم بالمسرح والذي دعا لإدخال الفصحى اليه.
كنت مسروراً بالدعوة ورأيت فرصة مناسبة للحديث عن بدايات السردية المتعلقة بالقضية والنكبة وبدء نفوذ الحركة الصهيونية التطبيقي في فلسطين.
كنت في الكلمة قد لفت انتباه الحضور عن أن أول تعليق صدر عن المؤتمر الصهيوني الأول المنعقد في بازل في سويسرا كان في الأهرام عام 1903، أي بعد انعقاد المؤتمر بعدة سنوات (المؤتمر عقد عام 1897)، وأن أول من تحدث عن مخاطر الحركة الصهيونية كانت صحيفة الكرمل لصاحبها نجيب نصار في حيفا.
وقد أغراني إنصات الجمهور للحديث عن بدايات الأهرام وعلاقة الصحف آنذاك بالقضية الفلسطينية، حيث صدرت عام 1911 في يافا، وقد أنشأها عيسى داود العيسى واستمرت في الصدور، ثم أغلقت أثناء الحرب العالمية الأولى، وتوقفت عن الصدور عام 1948، بسبب النكبة ثم توقفت عام 1967.
وزعت على الحاضرين نسخاً مما توفر من كتابي (أصل الحكاية.. من السردية الفلسطينية الى الأجيال الجديدة حتى لا تنسى).
وعندما كنت أختتم حديثي، وقبل أن يبدأ طرح الأسئلة‘ وقف أحد الحضور وقدم نفسه أنه أستاذ جامعي من جامعة القاهرة وأنه معجب بما حواه الكتاب، وقال موجها كلامه للجمهور، "هل تسمحون لي أن أقرأ لكم هذا النص من الكتاب، وهو عن رأي الرئيس الاميركي ترومان ضد اليهود"، كان الجمهور هادئاً ثم بدأ الدكتور يقرأ وقال: "هذا ما جاء في مذكرات ترومان، وقد نشر هذا الكلام على نطاق واسع، وقد وصف ترومان اليهود بما ورد في هذا الاقتباس، وصفهم بالأنانيين وأنهم يفتقرون للإحساس بالانسجام والقدرة على تقييم الشؤون الدولية، ولا يهتمون بعدد القتلى من الشعوب الآخرى، إذا كانوا يتلقون معاملة حسنة في الدولة التي يعيشون فيها.
وكان ترومان قد كتب في يومياته عام 1947، كأي مذكرات عادية لكنه خص صفحة يوم الحادي والعشرين من تموز من ذلك العام ليكتب عن مشاعره نحو اليهود.
إذ كتب محذراً من سطوتهم قائلا ما إن يتمتع اليهود بنفوذ سياسي أو مالي حتى يصبحوا أسوأ من هتلر وستالين في إساءة معاملة الآخرين. أنهى الأستاذ الاقتباس وصفق له الحضور وجلس قبل أن تبدأ الأسئلة.
استأذنت الجمهور لأضيف معلومة تتعلق بما أصدرته جامعة أكسفورد البريطانية الشهيرة من جمعية فيها اسمها أكسفورد (oxford union) ومضمونه أن إسرائيل دولة فصل عنصري ومسؤولة عن إبادة جماعية، وهي مسؤولة عن عدم الاستقرار والأمن الدوليين وجرى التصويت لصالح البيان في إدانة إسرائيل بـ 278 صوتاً، وهي الأغلبية في القاعدة التي أيدت القرار في أن إسرائيل دولة فصل عنصري، ولأهمية أن هذا يأتي من بريطانيا ومن اكسفورد الشهيرة ومن أهم قاعة حوار عالمية للطلاب تحمل هذا الاسم، إذ إنها أشهر جمعية مناظرات طلابية عالمية، وهنا نتذكر انهيار نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، حيث شهدت هذه القاعة مناظرات تحاكي هذا الموضوع وتبشر به.
كانت المناظرة جادة جدا واهتمت بها منظمات وأحزاب وقوى عالمية، وجاء في مقدمة القرار: "يعتقد هذا المجلس أن اسرائيل دولة فصل عنصري ومسؤولة عن إبادة جماعية، وقد جاءت كلمة المفكر اليهودي الشهير نورمان فينكلشتاين كأبرز مداخلة وقال: "عندما تنظرون إلى غزة اليوم ما ترونه ليس حرباً تقليدية بل تدمير مجتمع كامل".
السؤال الحقيقي ليس إن كانت هذه إبادة جماعية أم لا، بل كم من الأدلة يحتاج العالم ليعترف بذلك؟
وقد اثارت المناظرة ردود فعل عالمية لشهرة المكان وجاءت ردود الفعل المناصرة للقرار في الصحف البريطانية واشتعلت القاعة بالتصفيق لغزة وضد اسرائيل، وقالت الجارديان ان المناظرة في الجامعات أصبحت ساحة رئيسية للنقاش السياسي حول الصراع، وبعد المناظرة وقع 300 أكاديمي بريطاني رسالة مفتوحة انتقدوا فيها ما حدث في القاعة واعتبرت النتائج تحولاً ملحوظاً في المزاج السياسي لدى الطلاب في الجامعات الغربية، وقد صدم الإسرائيليون من نتائج التصويت بسبب رمزية المكان (أكسفورد) وقاعة الاتحاد والتي تعتبر أشهر ساحات المناظرات في العالم منذ القرن التاسع عشر وكثير من رؤساء الوزراء وقادة العالم مروا من هنا، منهم تشرتشل وجونسون.
العالم يتغير، وإسرائيل أصبحت عارية، وبالفعل أصاب من قال إنها دولة مارقة.