بشار جرار : وا عمّاه.. "كْرايْ أنكِل"!
علمونا
في المدارس "وا معتصماه"، ويا زين ما تضمنه تاريخنا المجيد عُدّة لنائبات
الدهر، وحاضرنا العتيد، ومستقبلنا السديد بعون العليم الحكيم، سبحانه.
ما
تعلمته لاحقا مقولة دأب ترمب على ترديدها في خطابات متعددة المناسبات
وتصريحات محمولة جوا في رحلات الطائرة الرئاسية، مع بدء الأسبوع الثاني من
"الغضب الملحمي".
يقول الرئيس
الأمريكي، المشهود له بالقدرة على الاشتباك الدائم مع الصحافة الداخلية
والخارجية، سيما تلك المعادية لأمريكا، بصرف النظر عن ساكن البيت الأبيض،
أو شديدة العداء لما تضمنته ثلاث حملات انتخابية من أفكار وشعارات وتعبيرات
أقل ما يقال فيها إنها فارقة، وهي في كثير من الأحيان مستفزة، إلى حد أنها
صارت مجلبة للاستعداء من خصومه، ولخسارة أصوات المستقلين أو المتأرجحين،
والحرج لفريق من مؤيديه، بمن فيهم قاعدته الانتخابية والشعبية، المعروفة
اختصارا ب "ماغا".
سواء أكان
الأمر من بنات أفكاره أم من الفريق الإعلامي الذي يخدم إدارته، هناك من
يحرص على "التنبيش" بمعنى التفتيش الدقيق في الدفاتر أو الأضابير القديمة!
تعبير "أصرخ يا عمّاه"، أو وا... عمّاه..، ترجمة لنداء استسلام أو استغاثة،
راج في المدارس الأمريكية عام 1900 أي بداية القرن العشرين الذي كان
أمريكيا بامتياز. فبعد أن يَطرح متصارع أو متصارعون الخصم أو الخصوم في
ساحة المدرسة عادة الخلفية أو داخل الصف أثناء تبديل الحصص، أو في غرف
تبديل الملابس للرياضيين من الفريق الطلّابي المحلي أو الزائر، تتطور
"الهوشة" إلى ما يسيل الدماء ويكسر العظم، فيصيح المبطوح وقد أوسع ضربا،
يصيح مستغيثا "أَنْكِلْ"، طالبا نجدة عمّه -مدير المدرسة، المدرب الرياضي
أو القائد الكشفي أو أستاذ الفصول الأول أو عريف الصف، يستجديه للتدخل فضا
للاشتباك إن تعذر عليه قلب نتائج "الطوشة"، فلا يكون أقل من الظفر بنخوة
العم أو"الفزعة" لإيقاف الاقتتال بالأيدي وما تيسر، للحيلولة دون المزيد من
الخسائر، سيما إن كانت على مرأى من الحي المتاخم لمدرسة ذلك الشقي!
مستشار
ترمب للسلام، وموفده الرئاسي لمهام السلام الدولية، ستيف ويتكوف، كان قد
كشف للصحافة قبل إطلاق عملية الغضب الملحمي وخلالها، بأن ترمب شاركه وأركان
الإدارة "خيبة أمله في عدم استسلام" إيران.
من
المعلوم لمن تابع "مسلسل" إيران منذ سبعة وأربعين عاما ولو عبر ما أنتجته
هوليوود فقط ووثائقيات حروب الشرق الأوسط، أن العقيدة والنفسية والثقافة
الإيرانية والفارسية خصوصا، لا تخفى عن صانع القرار في أمريكا الدولة
العميقة والمؤسسات السيادية، لكن من الجلي أن ترمب أراد باستخراج واستخدام
هكذا تعبير، استفزاز الجانب الإيراني محوره وأذرعه ومن لف لفه، ضمن أسلوبه
المعروف كصانع صفقات لا يتوانى عن الضغط نفسيا وجاهيا وصحفيا لإبرام الصفقة
بعد إنضاجها، فالرجل على ما يأخذ عليه خصومه من اندفاع وأحيانا التسرع، لا
يسلق مكونات صفقته ولا يحرق طبخته، مهما زاد من لهيب أتونها.
وبين
وا عماه، و وا معتصماة، ربما يتجلى جانب من الحكاية، حكاية لم تبدأ بالحرب
الراهنة، ولا منذ كارثة السابع من أكتوبر 2023 ، ولا حتى بحروب الخليج
الثلاثة منذ مطلع الثمانينيات حتى يومنا هذا، وما تخلل تلك السنين الطوال،
من "فوضى خلاقة" و"ربيع عربي"!
وكأن
حال الصائمين في هذه الأيام المباركة ونحن في العشر الأواخر من رمضان
الفضيل الذي تقاطع هذا العام أيضا مع صوم عيد القيامة (الفصح المجيد)، كأنه
ينادي الجانبين المتقاتلين أو الأطراف كافة في هذا الصراع القديم-الجديد
بأن وا... ربّاه..
اللهم محبة وحكمة وقدرة تصنع أمنا وآمانا للجميع، تنجز نماء ورخاء للناس كافة، فيما أرادها سبحانه أن تكون معمورة، بالصلاح والفلاح.. ــ الدستور