د. حسام باسم حداد : الركود التضخمي
في عالم شديد الترابط اقتصادياً، لم تعد الحروب مجرد مواجهات عسكرية محصورة في حدود الجغرافيا، بل تحولت إلى صدمات اقتصادية عالمية قادرة على إعادة تشكيل موازين الأسواق. تُعد الحروب من أبرز مسببات صدمات العرض، إذ تؤدي التوترات في مناطق الطاقة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتأمين وتزايد ظروف عدم التأكد مما يضعف الاستثمار ويبطئ من العجلة الاقتصادية رغم استمرار ارتفاع الأسعار.
ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط في ظل المواجهة المتشابكة بين إيران وإسرائيل والدور العسكري والسياسي للولايات المتحدة الأمريكية، تتزايد المخاوف من انعكاسات اقتصادية قد تدفع الاقتصاد العالمي نحو أحد أكثر السيناريوهات تعقيداً، وهو ما يعرف بالركود التضخمي، بوصفه أحد أخطر السيناريوهات الاقتصادية التي قد تواجه الدول.
فالركود التضخمي يمثل حالة استثنائية تجمع بين ارتفاع معدلات التضخم من جهة، وتباطؤ أو انكماش النمو الاقتصادي من جهة أخرى، وهي معادلة معقدة تُربك السياسات الاقتصادية وتضع الحكومات أمام تحديات صعبة، ففي الظروف الطبيعية يؤدي التضخم عادة إلى نشاط اقتصادي أعلى نتيجة زيادة الطلب، بينما يرتبط الركود عادة بانخفاض الأسعار بسبب ضعف الاستهلاك. لكن في حالة الركود التضخمي يحدث العكس، إذ ترتفع الأسعار رغم تباطؤ الاقتصاد وغالباً ما يكون السبب صدمات في جانب العرض مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد.
ويبرز القلق العالمي بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بأمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم. فأي تهديد بإغلاق هذا المضيق أو تعطيل الملاحة فيه ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط القادمة من الخليج إلى الأسواق الدولية. ومع ارتفاع المخاطر الجيوسياسية، ترتفع أسعار النفط وتكاليف التأمين والشحن البحري، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار السلع والخدمات حول العالم مع تذبذب أسعار صرف والمعادن.
ولا تقتصر الآثار الاقتصادية للحروب على أسواق الطاقة فحسب، بل تمتد إلى قطاع النقل الجوي أيضاً، فمع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، تضطر شركات الطيران إلى تغيير مسارات رحلاتها لتجنب مناطق الصراع، الأمر الذي يزيد من زمن الرحلات واستهلاك الوقود وتكاليف التشغيل، ونتيجة لذلك ترتفع أسعار تذاكر الطيران بشكل ملحوظ، مما يضيف ضغوطاً تضخمية إضافية على الاقتصاد العالمي ويؤثر في حركة السياحة والتجارة الدولية.
وفي الوقت ذاته،
تجد الحكومات والبنوك المركزية نفسها أمام معضلة اقتصادية صعبة، فمكافحة
التضخم تتطلب عادة رفع أسعار الفائدة وتشديد السياسات النقدية، لكن هذه
الإجراءات قد تؤدي إلى مزيد من التباطؤ الاقتصادي. أما محاولة تحفيز
الاقتصاد عبر زيادة الإنفاق أو خفض الفائدة فقد تؤدي إلى تفاقم التضخم.
وهكذا يصبح الركود التضخمي تحدياً معقداً لأنه يقيد أدوات السياسة
الاقتصادية ويضع صانعي القرار أمام خيارات محدودة، برأيي إن أخطر ما في
الركود التضخمي أنه لا يؤثر فقط في المؤشرات الاقتصادية الكلية، بل يمتد
تأثيره إلى حياة الأفراد، حيث تتآكل القدرة الشرائية للدخول مع ارتفاع
الأسعاروتتراجع فرص العمل نتيجة تباطؤ الاقتصاد. ومع استمرار التوترات
الجيوسياسية يبقى احتمال دخول الاقتصاد العالمي في موجة جديدة من الركود
التضخمي احتمالاً قائماً، ما يفرض على الدول البحث عن سياسات اقتصادية أكثر
مرونة وقدرة على التكيف مع عالم يتزايد فيه تداخل السياسة بالاقتصاد. ــ الراي
Dr.hhaddad@outlook.com