الأخبار

د. هبة ابو عيادة : ليلةٌ تُبدِّل موازين العمر… فاغتنمها

د. هبة ابو عيادة : ليلةٌ تُبدِّل موازين العمر… فاغتنمها
أخبارنا :  

مر رمضان سريعًا ويمضي العمر أسرع، وتتعاقب الأيام والسنون كأنها صفحات تُطوى على عجل، حتى يجد الإنسان نفسه وقد قطع شوطًا طويلًا من الحياة دون أن يشعر. غير أن رحمة الله بعباده جعلت في مسيرة الزمن محطات عظيمة، وليالي مباركة، تفتح للإنسان باب التعويض عما فات، وفرصة إعادة ترتيب ميزان عمره. ومن أعظم هذه الليالي ليلةٌ القدر، فجعله الله أجرها خيرًا من ألف شهر، تخيل قارئنا الكريم؛ ليلةٌ واحدة قد ترفع صاحبها درجات لا يبلغها بسنوات طويلة من العمل والسعي، إنها ليلةٌ تُبدِّل موازين العمر إن أحسن العبد استقبالها واغتنامها وكتب الله لها القبول فيها.

 

إن قيمة هذه الليلة ليست في طول ساعاتها، فهي كسائر الليالي في عدد ساعاتها ودقائقها، ولكن عظمتها فيما أودع الله فيها من البركة والرحمة والفضل والقبول. ففيها تتنزل الملائكة بالرحمات، وتُفتح أبواب السماء للدعاء، وتفيض مغفرة الله على عباده الذين قاموا ليلهم إيمانًا واحتسابًا. وقد أخبرنا النبي ﷺ أن من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، وكأن الإنسان يبدأ بعدها صفحة جديدة في حياته، خفيفة من الأوزار، مملوءة بالأمل والرجاء.

إن أعمار الناس في ظاهرها متفاوتة؛ فمنهم من يعيش ستين أو سبعين عامًا، ومنهم من يطول عمره أكثر، لكن الحقيقة العميقة أن الأعمار تُقاس بالبركة لا بعدد السنين. وقد يعيش إنسان سنوات طويلة لكنها خاوية من الخير، بينما يعيش آخر عمرًا أقصر لكنه ممتلئ بالطاعات والآثار الطيبة.

إن ليلة القدر هدية ربانية تعوّض قِصر الأعمار، وتقصيرنا بحق ذاتنا. وتمنح المؤمن فرصة أن يربح في ليلة واحدة ما يعادل عبادة أكثر من ثلاث وثمانين سنة. إنها فرصة عظيمة ليضيف الإنسان إلى ميزان عمره رصيدًا هائلًا من الحسنات لا يُقارن بأي مكسب دنيوي.

غير أن كثيرًا من الناس تمر عليهم هذه الليلة وهم غافلون عنها، مشغولون بما لا ينفع، أو مستثقلين القيام والذكر والدعاء. وربما يحيون الليل في السهر واللهو، والاستعداد لعيد الفطر. بينما في السماء تُكتب المقادير، وتتنزل الرحمة، وتُفتح أبواب العطاء لمن طرقها. إن الخسارة الحقيقية ليست في فوات مال أو فرصة عمل، بل في أن تمر ليلة القدر على الإنسان دون أن يكون له فيها نصيب من قيام أو دعاء أو دمعة صادقة بين يدي الله.

إن اغتنام هذه الليلة واستثمار الخير فيها لا يحتاج إلى تعقيد أو تكلف، بل يحتاج إلى قلب خاشع وصدق في التوجه إلى الله. ركعات خاشعة في جوف الليل، ودعاء صادق يخرج من القلب، وذكر يلهج به اللسان، وقراءة لآيات القرآن بتدبر وخشوع، كلها أعمال قد تبدو يسيرة لكنها في هذه الليلة عظيمة الأجر. وربما كانت دمعة صادقة في خلوة، أو استغفار عميق يخرج من قلب منكسر، سببًا في تبدّل حال الإنسان كله.

كما أن من أعظم ما يفعله العبد في هذه الليلة أن يراجع نفسه بصدق، وأن يقف مع عمره وقفة محاسبة. كم من الوقت ضاع في الغفلة؟ وكم من الفرص ضاعت دون استثمار؟ وكم من الأعمال كان يمكن أن تكون في ميزان الحسنات لو أحسن الإنسان توجيهها؟ فيبرأ إلى الله من كل الذنوب والخطايا والمعاصي ويتوب إلى الله توبة نصوح.

إن ليلة القدر ليست فقط ليلة عبادة، بل هي أيضًا ليلة مراجعة وبداية جديدة، يفتح فيها الإنسان قلبه للتوبة ويعزم على تصحيح مساره في الأيام القادمة.

وفي هذه الليلة المباركة يعلّمنا الإسلام أن أعظم ما يُطلب من الله هو العفو، فقد أرشدنا نبينا ﷺ إلى الدعاء العظيم: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني". وكأن جوهر هذه الليلة ليس مجرد زيادة الحسنات، بل محو السيئات وفتح صفحة جديدة في حياة العبد، صفحة يكتبها العفو الإلهي والرحمة الواسعة.

إن ليلةً تستطيع أن تغيّر ميزان العمر كله جديرة بأن تُنتظر بشوق، وأن تُستقبل بعزم، وأن تُعاش بكل لحظاتها. ليست ليلة عابرة في التقويم، بل فرصة قد لا تتكرر كثيرًا في حياة الإنسان، وربما كانت سبب نجاته يوم يلقى الله. ولذلك كان السلف الصالح يجتهدون في العشر الأواخر من رمضان اجتهادًا عظيمًا، كأنهم يدركون أن في هذه الليالي كنزًا لا يُعوَّض، فقد مر معظم رمضان وبقي أعظمه.

فيا من أدركت هذه الليالي المباركة، تذكّر أن العمر ليس طويلًا كما نظن، وأن الفرص لا تبقى دائمًا بين أيدينا. ولا ندري هل سندرك رمضان القادم أم لا. وربما كانت هذه الليلة هي اللحظة التي تتبدل فيها موازين حياتك، وترتفع فيها درجتك عند الله، وتُفتح لك أبواب الخير التي لم تكن تتوقعها. فاغتنمها بقلب حاضر، ونفس صادقة، ورجاء كبير في رحمة الله، فلعلها تكون الليلة التي تُبدِّل موازين عمرك كله. تقبلنا الله وإياكم من المقبولين في ليلة القدر.

مواضيع قد تهمك