الأخبار

د. رعد محمود التل : مشاريع اقتصادية مميزة: "البترا في الليل" مثالاً

د. رعد محمود التل : مشاريع اقتصادية مميزة: البترا في الليل مثالاً
أخبارنا :  

يزخر الاردن بالعديد من المواقع الأثرية التي لا مثيل لها بالعالم ومن أبرزها البترا أعجوبة الدنيا المدهشة، كما يزخر بالعقول المنتجة للأفكار الريادية التي تصنع الفارق برؤيتها وقدرتها على إحداث التغيير. من هؤلاء السادة إسماعيل الهلالات، محمد الفرجات، وعيد النوافلة، وهم من أبرز الرياديين في القطاع السياحي الذين قدموا فكرة تحولت الى مشروع "البترا في الليل" ليحكي قصة نجاح لنموذج اقتصادي سياحي مستدام مميز، يحقق فوائد اقتصادية وسياحية واجتماعية متعددة.

انطلقت فكرة "البترا في الليل" عام 1998 ليشاهد السائح المدنية ليلاً وليس فقط نهاراً بشراكة وتنظيم مع سلطة إقليم البترا التنموي السياحي ضمن معايير اليونسكو لإدارة مواقع التراث العالمي، حيث يقدم للسياح تجربة مشاهدة عرض ليلي عن تاريخ المدينة بالموقع الاثري عن طريق إدخال تقنيات حديثة مثل الخرائط ثلاثية الأبعاد وتجربة الصوت والضوء إضافة إلى تقنية الهولوغرام التي تُمكّن الزوار من مشاهدة مشاهد حية تحاكي الحياة النبطية القديمة بسرد تاريخي محكم، لثلاثة آلاف عام مما يضفي على العرض طابعًا سينمائيًا مميزاً. العرض يقارب الساعة ويترافق بإضاءة السيق بمئات الشموع المصممة خصيصاً لتدوم طويلاً دون الإضرار بالصخور الأثرية.

البرنامج يشكّل ركيزة أساسية في استراتيجية السلطة لتفعيل السياحة الليلية، وتحفيز الزوار على إطالة مدة إقامتهم، بما ينعكس إيجابًا على المجتمع المحلي والاقتصاد السياحي، لذلك يستحق أن يكون هذا المشروع نموذجاً يستنسخ في أكثر من موقع أثري في المملكة، فما يميز المشروع هو كونه استثماراً ذاتياً بالكامل، دون أي دعم حكومي، قام به المؤسسون معتمدين على خبراتهم وابتكارهم لتقديم منتج سياحي نوعي.

البرنامج يسهم بشكل مباشر في تنويع المنتج السياحي، ويمكّن الزائر من الإقامة لفترة أطول، ما يعزز القطاع الفندقي والخدمي. كما يُعد المشروع رافداً مهماً للإيرادات الحكومية من خلال الضرائب والرسوم حيث رفد المشروع خزينة الدولة بأكثر من 3 ملايين دينار منذ تأسسيه، مع تخصيص جزء من العوائد لدعم السلطة المحلية والجمعيات، ما يعكس نموذجاً ناجحاً للشراكة بين القطاع الخاص والحكومة والمجتمع المدني.

يوزع "البترا في الليل" جزءا من عوائده على شراكة واسعة مع المجتمع المحلي عبر سبع جمعيات ومراكز، تشمل جمعية عاصمة الأنباط التي تمثل التجمعات الستة في وادي موسى بما فيها القصبة، الطيبة، الراجف، أم صيحون، دلاغة والعمارين، بينما تمثل جمعية أصحاب الفنادق التعاونية السياحية أصحاب الفنادق من أبناء المجتمع المحلي، وتركز جمعية المكاتب السياحية التعاونية على أصحاب المكاتب السياحية من أبناء المنطقة. كما يساهم المشروع في مركز أيتام وادي موسى ومركز تحفيظ القرآن لتمثيل التجمعات الستة، إلى جانب جمعية التربية الخاصة للاحتياجات الخاصة التي تمثل هذه التجمعات أيضاً، إضافة إلى جمعية الفنادق الشعبية التي تمثل أصحاب الفنادق الشعبية من أبناء المجتمع المحلي. يستفيد من هذه الشراكة المباشرة وغير المباشرة حوالي 24 ألف شخص، ما يعكس نموذجاً ناجحاً للاستدامة الاقتصادية والاجتماعية، ويبرز قدرة المشاريع السياحية على خلق أثر اقتصادي ملموس يمتد إلى المجتمع المحلي.

على الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهها المشروع، بما في ذلك الأزمات الإقليمية وجائحة كورونا، إلا أن استمراريته وإدارته المهنية مكنته من الصمود، ويسجل للسلطة إقليم البترا القدر العالي من الشفافية القانونية والتنظيمية في التعامل مع مثل هكذا مشاريع ناجحة يقصدها السياح من جميع أنحاء العالم، بالاضافة الى أن الشراكة مع السلطة المحلية، عززت مصداقيته واستمراريته، مؤكدة أن المشاريع الوطنية الناجحة تستطيع تجاوز العقبات بتكاتف جميع الاطراف المعنية.

يلمس المتابع أن " البترا في الليل" لم تكن مجرد فعالية ترفيهية، بل مشروعاً وطنياً طويل الأمد هدف إلى تنويع المنتج السياحي في البترا، وإضافة تجربة نوعية تعزز القيمة الثقافية والاقتصادية، وتسهم في إطالة مدة إقامة الزائر ودعم القطاع الفندقي والمجتمع المحلي. ومع تطور المشروع، اتسع أثره اجتماعياً واقتصادياً، ليستفيد منه آلاف من أبناء المنطقة عبر فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. وقد أصبح المشروع رافداً مهماً للإيرادات، ومساهمة مستمرة في دعم خزينة الدولة من خلال الرسوم والضرائب والتشغيل.

عدة دروس اقتصادية هامة يقدمها "البترا في الليل"، فهو يوضح كيف يمكن تحويل فكرة إلى مشروع اقتصادي مستدام بدون الاعتماد على الدعم الحكومي، وكيف يمكن إدماج المجتمع المحلي في المشاريع لتحقيق استدامة أكبر وعدالة اجتماعية. كما يبرز أهمية تنويع المنتج السياحي لإطالة مدة الإقامة وتعزيز العوائد الاقتصادية، والتوازن بين الحفاظ على القيمة التاريخية للموقع وتحقيق أرباح وإيرادات مهمة، مما يوضح العلاقة بين الثقافة والتنمية الاقتصادية. واليوم، لم تعد "البترا في الليل” مجرد فعالية، بل أصبحت جزءاً من هوية التجربة السياحية الأردنية، في إطار يحترم التاريخ، ويخدم الحاضر، ويستشرف المستقبل. ما نتمناه أن يستمر الدعم المعنوي لمثل هذه المشاريع وأن يتم استنساخها في مواقع سياحية أخرى وأن يقدم لها الحوافز أكثر حتى يكون أثرها أكبر وأبعد!.

مواضيع قد تهمك